في يوم الجمعة 17 يونيو 1994، وداخل ملعب «سولجر فيلد» العريق في مدينة شيكاغو الأمريكية، لم يكن افتتاح كأس العالم مجرد حدث رياضي اعتيادي، بل كان كرنفالاً إنسانياً وثقافياً تلاقت فيه شعوب الأرض.
وتزامناً مع المرة الأولى التي ترفرف فيها الراية السعودية في هذا المحفل العالمي، شهد حفل الافتتاح لقطةً بارعة، إذ شاركت فرقة سعودية بأداء رقصة شعبية وبالسيوف العربية، عبرّت من خلالها عن أصالة الهوية التراثية للمملكة وسط استعراضات مثلّت ثقافات الدول المشاركة. والمثير للاهتمام أن تلك الرقصة قد أُديت على أنغام موسيقى اختيرت بعناية من ألحان الموسيقار الراحل سراج عمر، وهي جزء من لوحة المنطقة الجنوبية في «أوبريت التوحيد» الذي كتب كلماته الأمير خالد الفيصل بن عبد العزيز، وقُدم في مهرجان الجنادرية التاسع. هكذا، وقبل أن تتدحرج الكرة على العشب، كانت الثقافة السعودية تعلن حضورها الباهي أمام مئات الملايين خلف الشاشات.
ثمار عمل طويل
هذا الحضور المونديالي الباذخ لم يكن وليد الصدفة أو ضربة حظ عابرة، بل كان تتويجاً شرعياً لمسيرة طويلة ومضنية من المحاولات والطموحات التي بدأت منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، خاض الأخضر خلالها غمار تصفيات آسيوية معقدة وشديدة الشراسة في نسخ 1978، 1982، 1986، و1990.
كان الحلم يصطدم في كل مرة بقلة الخبرة الدولية أو بقوة المنافسين، على الرغم من بروز جيل سعودي موهوب بدأ يفرض سطوته وفنه على القارة الصفراء.
ومع مطلع التسعينيات، بدأت ملامح المشروع الكروي السعودي الحديث تتشكل بصورة أكثر احترافية وتنظيماً، مدعوماً باهتمام رسمي كبير اعتنى بالبنية التحتية وتطوير المنتخبات والمسابقات المحلية.
في خريف عام 1993، ومن العاصمة القطرية الدوحة، نجح المنتخب السعودي في انتزاع بطاقة التأهل التاريخية إلى الولايات المتحدة بعد تصفيات ماراثونية طاحنة تفوق فيها على منتخبات كوريا الجنوبية (الذي رافق المنتخب السعودي إلى أمريكا)، اليابان، العراق، إيران، وكوريا الشمالية، ليصبح الأخضر رابع منتخب عربي آسيوي يبلغ المحفل العالمي بعد الكويت 1982، العراق 1986، والإمارات 1990.
أولويات تاريخية
دقت ساعة الحقيقة فجر يوم الثلاثاء 21 يونيو 1994، وحبس الملايين في المملكة أنفاسهم لترقب المواجهة الأولى في تاريخهم المونديالي أمام منتخب هولندا العتيد على ملعب «روبرت كينيدي» في العاصمة واشنطن.
في تلك المباراة التاريخية طارت معالم الرهبة سريعاً، فقد سجّل النجم فؤاد أنور أول هدف سعودي في تاريخ كأس العالم برأسية متقنة، فيما دوّن الظهير الأيمن عبد الله صالح اسمه كصاحب أول بطاقة صفراء سعودية بالمونديال، في مباراة انتهت بخسارة مشرفة بهدفين مقابل هدف (أما أول بطاقة حمراء في تاريخ مشاركات الأخضر فقد تأخرت حتى مونديال فرنسا 1998 وكانت من نصيب المدافع الراحل محمد الخليوي أمام فرنسا، وهي الوحيدة حتى الآن).
لم تقف الطموحات السعودية عند مجرد المشاركة، فبعد فوز مثير وثمين على المغرب 2-1 بهدفي سامي الجابر وفؤاد أنور، في أول مواجهة مونديالية عربية - عربية، كان العالم على موعد مع لقطة سينمائية خالدة في الجولة الثالثة والأخيرة من دور المجموعات أمام بلجيكا. هناك، كتب سعيد العويران اسمه بحروف من ذهب في تاريخ اللعبة، عندما انطلق بالكرة من منتصف ملعبه مخترقاً الحصون البلجيكية ومتجاوزاً المدافعين تلو الآخر في سباق إعجازي مذهل، قبل أن يودع الكرة في الشباك مسجلاً هدفاً أسطورياً صُنّف كأحد أجمل أهداف كأس العالم عبر التاريخ. هذا الهدف التاريخي قاد السعودية لتأهل إعجازي إلى دور الـ16 في أول مشاركة لها، في إنجاز بقي محفوراً كأحد أبرز اللحظات الملهمة في تاريخ كرة القدم العربية.
توالت بعدها المشاركات السعودية في المسرح العالمي بأعوام 1998، 2002، 2006، 2018، و2022، وعرفت الجماهير خلال هذه الرحلة الطويلة تقلبات كرة القدم بسحرها وقسوتها، ولعل اللحظة الأكثر مرارة كانت الخسارة القاسية أمام ألمانيا بنتيجة 8-0 في مونديال 2002. لكن كبرياء الصقور ظلّ يرفض الانكسار، إذ كان الأخضر يعود دائماً أكثر صلابة وقوة، مسجلاً انتصارات مهمة وحضوراً لافتاً رسّخ مكانة المملكة كقوة كروية لا يستهان بها.
ملحمة «لوسيل»
وفي مونديال قطر 2022، عاش العالم واحدةً من أكبر المفاجآت في تاريخ كرة القدم الحديثة.
فعلى أرضية ملعب «لوسيل»، نجح المنتخب السعودي في إسقاط منتخب الأرجنتين المدجج بالنجوم والمسنود بالترشيحات بقيادة ليونيل ميسي، بعد ريمونتادا تاريخية حملت توقيع صالح الشهري وسالم الدوسري بهدف عالمي لا يُنسى.
ولم تكن تلك الأرجنتين منتخباً عادياً، بل إنها البطل الذي واصل طريقه ليرفع الكأس في النهاية، ليظل الأخضر هو المنتخب الوحيد في العالم الذي هزم أبطال العالم في تلك النسخة التاريخية.
مسيرة اهتمام
هذا التطور الرياضي الهائل على مر العقود لم يكن نتاج الصدفة، بل صاغته رؤية ممتدة ورعاية قيادية ملهمة عبر الأجيال، تحولت معها المملكة من منافس طموح إلى عاصمة لصناعة المشهد الرياضي.
وتُوج هذا المسار الاستراتيجي الملهم بإعلان الفيفا فوز المملكة العربية السعودية بحق استضافة كأس العالم 2034، وهي خطوة تاريخية تعكس الثقل الدولي للمملكة والثقة العالمية المطلقة بقدراتها التنظيمية، ليكون الأخضر على موعد مع كتابة الفصل الأكثر استثنائية وإبهاراً في تاريخ كرة القدم.. فوق أرضه وبين جماهيره.
** **
- أحمد الأسمري












0 تعليق