عبده الأسمري
ما بين الإعلام والثقافة بنى صروح «الدهشة» في فضاءات من «الأثر» متخذاً من الإذاعة مسرحاً مهنياً حول البرامج إلى ذائقة سمعية صنعت «التعبير» في أفق «الأثير».
مضى يقطف «ثمار» النبوغ من معين «الطموح» مولياً قبلة أحلامه شطر «التأثير» كاتباً على صفحات «الذاكرة» قصة «الكفاح» ومرسخاً في منصات «المعرفة» رواية «اليقين».
أعتنق فعل «الكتابة» بموهبة «مبكرة» و»حرفية» لاحقة فأعتق قلمه من قيود «التكرار» حتى سبح في فضاء «الكلمة» بهيئة «وسطية» وجرأة «متزنة».
خطب ود «الصحافة» فمنحته بشائر «البدايات» وتباشير «النهايات» فكان الابن البار الذي أهدى لها بصائر «التمكن» وبشائر «التمكين».
إنه رئيس تحرير صحيفة الندوة الأسبق الإعلامي والكاتب يوسف دمنهوري -رحمه الله- أحد أبرز وجوه الإعلام في الوطن.
بوجه مكي تتجلَّى وسطه ملامح «الإنصات» ومطامح «الثبات» وسحنة حنطية مزيجة من الود والجد وعينان واسعتان تتجلَّى وسطها نظرات الإلهام وتقاسيم أصيلة تتقاطع مع عائلته وكاريزما فريدة قوامها «الخبرة» ومقامها «الحكمة» وصوت حجازي «أصيل» تتعالى منه العبارات المكاوية المؤنسة في جلسات الأسرة وتتوارد فيه الاعتبارات اللغوية المبهجة على طاولات القرار.. ولغة تنطق بنصوص «معرفية» مشفوعة بالثقافة ومسجوعة بالمعرفة وأناقة تتجلَّى في الزي الحجازي الموشح بالبياض وشخصية متزنة كان «القلم» سلاحها و»الإذاعة» ميدانها و»التلفزيون» مساحتها و»الصحافة» حرفتها قضى دمنهوري من عمره عقود وهو يشعل قناديل «التقديم» ويوقد مشاعل «الإعداد» ويرسخ مداد «المعنى» ويسخر مودة «الذات» في امتداد «إعلامي» وسداد «معرفي» صحافياً وإعلامياً وكاتباً ومؤلفاً ومسؤولاً وضع اسمه في قوائم «البارعين» وترك صيته في مقامات «المبدعين».
في مكة المكرمة منبع «الطهر» وموطن «التقى» المعهودة بزف «المتميزين» إلى محافل الفلاح ولد عام 1934م وسط «حارة القشاشية» العريقة الماكثة في قلب «التاريخ» ووسط حوانيتها العتيقة ومساكنها البسيطة انطلقت بشرى المولد المبارك لفتى مكي جديد انضم إلى عائلة «الدمنهوري» الشهيرة بالعلماء والمشهورة بالأدباء والممهورة بتراث «تاريخي» نابع من عمق «الماضي».
اختارت له أسرته اسم «يوسف» تيمناً بجمال الاسم وتفاؤل المسمى وامتزاجه بالمقام «الديني» والإلهام «المعنوي».
تفتحت عيناه صغيراً على أب كريم من فضلاء «قومه» وأم حنونة من فضيلات جيلها واغترف من «مشارب» تربية عميقة تسربت إلى أعماقه نصحاً وفلاحاً وامتدت نحو آفاقه هدفاً ونجاحاً حتى حصد «ثمار» الخيرات في مواسم «النصح» ومراسم «التوجيه».
امتلك يوسف «نبوغاً» باكراً اجتاز به محيط «الانتظار» وظل حديثاً «جائلاً» لحكماء عشيرته تلخص في قدوم «مشروع» بشري سيملأ فضاء «التوقع» بإمضاء «التأكيد» في سماء «الواقع».
انجذب دمنهوري باكراً إلى تلك تفاصيل «السكينة» وتراتيل «الطمأنينة» على ثرى «أم القرى» الطاهر وتجاذب مع موجبات «التقوى» وعزائم «التدين» في محيط «الحرم المكي الشريف» مراقباً ومضات «الابتهال» في صحن الطواف ودعوات «الخشوع» أمام باب الكعبة المشرَّفة ومرتقباً خلوات «الخاشعين» بين مقام إبراهيم وحجر إسماعيل مكملاً يومه ببروفات «مسائية» في الخطاب والشعر والإلقاء في حضرة والديه وحضور أقاربه.
ركض دمنهوري مع أقرانه ملتحفاً شقاوة الصغار بين أحياء الحجون والشبيكة والشامية متنفساً رحيق «البكور» في نداءات «الطيبين» ومستنشقاً عبير «البخور» بين منازل «الطين».
وظل يقتنص من وجوه «القادمين» على أجنحة التدين مراسم «السعادة» في فضاء «المشاعر» ومضى يلتمس من تعابير «الحاصدين» لأسبقية التفوق معالم «الريادة» أمام مرأى «الشعور».
أنصت صغيراً لحكايات «الاغتراب» في مذياع والده العتيق مشبعاً «مساءات» والديه بأسئلة «الفضول» الأولى التي تحولت إلى منابع «الحلول» المثلى في مراحل زمنية تجلَّلت باليقين وتكلَّلت بالتمكين.
ملأ ذاكرته «الغضة» بتلك الملاحم «المكية» في خدمة الحجاج والمعتمرين في مهنة «الطوافة» التي توارثتها أسرته أباً عن جد واستورثتها طامح بعد طموح ومضى يرصد «إشعاع» المعروف في تلك «المرويات» الراسخة في مجالس «المكيين» ومراكيز «الحجازيين» العامرة بعبق «العرفان».
أتم دمنهوري تعليمه «العام» في مكة المكرمة حاملاً لواء «المتفوّقين» في شهادات دراسية توشحت بالامتياز وبعد أن أنهى دراسته طار إلى «قاهرة المعز» ودرس الصحافة والأدب وحصل على ليسانس الصحافة عام 1959م.
بعد فترة مفصلية تشكلت من خلالها شخصية الشاب «اليافع» عاد للوطن وفي ذاكرته «مواويل» الغربة ووسط فؤاده أكاليل «الحرفة» والتحق بالعمل الصحافي ضمن قائمة «الأوائل» من أبناء «البلد الأمين» المتوجين بتاريخ «الزمان» وجغرافيا «المكان»..
عمل في الصحافة التي بدأت في رفع «شراع» الإعلام وسط أمواج التنافس وبين ثنايا «الاحتراف» وعمل مديراً لمكتب صحيفة البلاد في الرياض وانتقل للعمل مديراً لمكتب الإذاعة والصحافة بالرياض. ومضى فيها وقتاً حتى ذاع صيته في متن «الكفاءة» المهنية وتم ترقيته على وظيفة مساعد مدير عام الصحافة بجدة، ثم مساعد مدير عام التلفزيون بجدة واستمر فيها حتى تم تعيينه على منصب مدير عام الإذاعة والتلفزيون بجدة.
وفي خضم استقطاب «الأسماء البارزة» صحفياً وإعلامياً تم ترشيحه ليتولى رئاسة تحرير جريدة الندوة في «خطوة» متجددة أبثت من خلالها تميزه في العمل القيادي الصحفي، حيث نقل الصحيفة «المكية» إلى مستويات «عليا» من التميز والتفوق حتى نافست «الصحف العريقة» من خلال خطها «التحريري» الفريد في ذلك الوقت.
برع في كتابة «المقال» وكانت له مقالاته المميزة والتي اتسمت بروح التجديد والابتكار وكتب في زاوية ثابتة في صحيفة «الندوة» وكتابات متنوعة في مجلة «قريش» وقد أصدر كتاباً بعنوان» العلاقات العربية.. المعادلة الصعبة والذي صدر عن مؤسسة مكة للطباعة والإعلام عام 1995م
بعد مسيرة حافلة بالاقتدار والاعتبار وسيرة زاخرة بتنوع «مهني» بارز انتقل دمنهوري إلى رحمة الله تعالى في الثالث من شهر رمضان عام 1423 الموافق 7 نوفمبر 2002م وقد نقلت «وسائل الإعلام» نبأ رحيله مقترناً بمآثره ومناقبه التي ظلت حاضرة ناضرة في مدارات الإعلام ومسارات الصحافة.
على مدى سنوات حضر يوسف دمنهوري خفيف «الظل» عفيف «اللسان» يعمل بصمت ويتفوق بثبات ويتميز بإثبات وسط «سمعة» زاهية بالخلق الحسن والعمل الدؤوب والقول المؤثر وأمام محطات «إعلامية» كان فيها «الرجل المناسب» وظل خلالها «العقل المفكر».













0 تعليق