د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
رغم الخلافات العميقة بين واشنطن وبكين، بشأن قضايا التجارة وحرب إيران وتايوان، تسعى القوتان إلى اعتبار هذه الزيارة انتصاراً لهما بعد الحرب التجارية التي اندلعت عام 2025، وصف ترمب هذه الزيارة بالجيدة وتزداد تحسناً مشيداً بصفقات تجارية رائعة، فيما وصفت بكين الزيارة بالتوصل إلى تفاهمات جديدة.
تأتي هذه الزيارة في 14/ مايو 2026 على رأس وفد أمريكي ضم مسؤولين سياسيين وممثلي كبريات الشركات الأميركية، بعدما التقيا ترمب وشي لفترة وجيزة في قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ في 2025، واتفقا على تبادل الزيارات في 2026، بعدما أجبرت بكين واشنطن على قبول هدنة سياسية عبر استغلال اعتماد أميركا على المعادن الأرضية النادرة، وغيرها من الموارد الحيوية.
فرغم توقه لإدارة العالم، فهو محاط بصقور متشددين تجاه الصين مثل ستيف بانون يؤيدون المواجهة مع الصين، ومع ذلك يبدو ترمب من الحمائم تجاه الصين نسبياً، رغم أنه لا يزال يفرض ترمب قيوداً على وصول الصين إلى التكنولوجيا الأساسية، مثل رقائق أشباه الموصولات المتقدمة، لكن ردت الصين بإجراءات انتقامية مضادة، ظلت الهدنة الاقتصادية بين البلدين هشة.
اعتبر ترمب هذه الزيارة باللحظة التاريخية، وتعد هذه الزيارة الثانية لترمب إلى الصين بعد زيارته الأولى عام 2017 خلال ولايته الرئاسية الأولى، فيما هذه الزيارة تحمل مكاسب اقتصادية كبيرة للطرفين، وهي زيارة أبعد من زيارة بروتوكولية عادية، فتوقيتها جعلها أشبه باجتماع طارئ بين أكبر اقتصادين في العالم، في ظل حرب اقتصادية مفتوحة بين القوتين، واضطراب في سلاسل الإمداد، وصدمة طاقة عالمية في اختناق الملاحة والنفط في مضيق هرمز.
أكبر مكسب لأمريكا موافقة الصين على شراء 200 طائرة من بوينغ، بقيمة 17-19 مليار دولار، مع احتمال أن يرتفع الرقم إلى 750 طائرة، تعيد بوينغ إلى السوق الصينية باعتباره سوقاً ضخماً بعدما فقدت الشركة سوقها خلال السنوات الماضية بسبب التوترات التجارية بين البلدين، بل تمتد إلى جنرال الكتريك وشركات المحركات والمكونات وسلاسل التوريد الأميركية، تمنح ترمب مادة انتخابية بعد نجاحه فتح السوق الصينية أمام الطائرات الأميركية، خصوصاً بعد تحدث الممثل التجاري الأميركي عن مشتريات زراعية خلال ثلاث سنوات من أمريكا وبشكل خاص فول الصويا، وهي نقطة حساسة في الداخل الأميركي لصالح المزارعين الأميركيين المتضررين من الحرب التجارية، بعد تراجع شراء الصين من فول الصويا من 41 % في 2016 إلى 15 % في 2025 مع صعود البرازيل كمورد أرخص وأكثر موثوقية للصين.
في المقابل تود الصين تخفيف خطر التعريفات، ومنع انفجار قيود التكنولوجيا، والحفاظ على سلاسل الإمداد في لحظة عالمية مضطربة، رغم أن بكين كانت تطمح إلى تمدد الهدنة التجارية وتؤسسان آليات حوار اقتصادي مثل مجلس للتجارة، لكن دون اختراق شامل، فقط تجميد مؤقت لا اتفاق سلام اقتصادي يخدم الصين، وتأجيل قيود أشد على التكنولوجيا والاستثمار، لكن الصين كسبت اعترافاً عملياً بأنها ند لأميركا، وكأنها تقول للعالم إن حل الأزمات الكبرى لا يمر من واشنطن وحدها كما بقية الرؤساء الأمريكيين السابقين.
ولكن في المقابل ظهرت الصين قوة لا يمكن تجاوزها، رغم أن الطرفين اتفقا على أهمية إبقاء هرمز مفتوحاً ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي، من دون اختراق حقيقي أو التزام صيني واضح بالضغط الحاسم على طهران، لكن ترمب احتاج الصين لإدارة أزمة هرمز.
أثمرت زيارة ترمب لبكين عن تحولات مفصلية نحو حقبة جديدة من التنافس المنضبط، عززت الزيارة مكانة الصين كقوة عظمى توازي واشنطن، وتوجه العالم نحو سياسة تنويع التحالفات بعيداً عن القطبية الأحادية، أي الانتقال من الهيمنة الأمريكية المطلقة إلى نظام دولي يتقاسم فيه القطبان النفوذ، مع تراجع سياسة الاحتواء للصين من قبل الولايات المتحدة، وبروز الصين كوسيط فاعل لا غنى عنه للأمن العالمي، خاصة في ضبط التوترات الجيوسياسية.
لذلك استندت الرؤية الاستراتيجية للسعودية تجاه العلاقة بين أمريكا والصين إلى مبدأ الموازنة الاستراتيجية، اتجهت إلى التحالف الأمني التاريخي مع واشنطن، وفي الوقت نفسه تعميق شراكاتها الاقتصادية والتكنولوجية الشاملة مع بكين وروسيا لتجنب سياسة المحاور والاصطفاف، وتؤكد على استقلال القرار تدير علاقاتها وفقاً لمصالحها السيادية وأولوياتها التنموية والتنويع الاقتصادي.
** **
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى سابقاً




0 تعليق