التذاكي الإداري يبلغ ذروته حين لا يخالف صاحب النفوذ القانون جهاراً، بل يذهب متبحراً في ثنايا النصوص، منقباً بين البنود المطاطية، ليقتطع منها ما يخدم كبرياءه، ويبرر قراراته الإقصائية ضد المخلصين والمبدعين. هنا، تخرج القرارات مغلفةً بأناقة اللوائح، وحاصلةً على «التواقيع» والمباركات النظامية عبر شبكة من العلاقات والمصالح المتبادلة، لكنها في جوهرها قرارات «ميتة سريرياً»، منزوعة الدسم الإنساني، ومجردة من أي أثر تنموي حقيقي.
هذا النمط من الإدارة يمارس خطيئة كبرى عبر الفصل التعسفي بين «حرفية النص» و«روح العدالة». فالقوانين في أصلها الفلسفي لم توضع لتكون سياطاً تُجلد بها الظروف الإنسانية، أو كمائن تُنصب لعرقلة المتميزين، بل صيغت لتكون بيئة مرنة تنمو فيها القيم وتتحقق بها المساواة. وحين تتحول مواد النظام من «وسيلة حماية» إلى «دروع تحصين» لأصحاب المصالح الشخصية، فإننا لا نعود أمام بيئة عمل مؤسسية، بل نصبح أمام ممارسات تفتقر للنزاهة: وتُجهض الحقوق، وتترك القضايا الإنسانية الملحة معلقة في أروقة الانتظار العبثية تحت غطاء من الشرعية الورقية الباحثة عن المؤشرات الصورية فقط.
وهنا يكمن الشرخ النفسي الأعمق؛ إذ يتحول المورد البشري من «غاية» تسعى المنظمة لتمكينها إلى مجرد «رقم» في معاملة مؤجلة. تتبدد الآمال على عتبات المكاتب المغلقة، ويسود شعور خانق بالاغتراب التنظيمي، حيث يرى الموظف الكفء حقوقه المشروعة، وظروفه الاستثنائية تُسحق بلا رحمة تحت عجلات الروتين الممنهج، لا لشيء إلا لأن الأدوات البيروقراطية سبقت إرادة الإصلاح، ولأن بعض المسؤولين اختاروا السلامة الشخصية والامتثال السطحي على حساب الشجاعة الأدبية والإنصاف الأخلاقي.
الخطورة الكامنة هنا ليست في الخلل الظاهر الذي يمكن رصده ومعالجته، بل في الممارسات المقنّعة التي ترتدي زيّ الانضباط. إنه الأسلوب الذي يترك الطاقات الحقيقية في حالة ذهول، ويجبر المنظومة على التراجع؛ لأن المشغول بتحصين كرسيه عبر لغة السلطة والعلاقات يصنع بيئة طاردة للروح، ويحول المؤسسة إلى آلة جامدة، لا مكان فيها للشغف أو الابتكار.
الوعي الحقيقي الذي يجب أن يولد اليوم هو إدراك أن قوة القيادي لا تنبع من قدرته على تطويع الأنظمة لحماية مصالحه، بل في شجاعته على تمثيل «روح القانون»، وإنصاف الإنسان، ومواكبة ظروفه دون مواربة. فالبيئات التي تُدار بالنصوص الجامدة قد تبدو مستقرة على الأوراق والتقارير الأنيقة، لكنها تسقط حتما في فخ العقم المستقبلي، ولا تحميها الحيل المستترة، بل تصنعها الضمائر الحية التي تدرك أن أثر القرار الباقي هو ما واكب الحق والإنسانية، وما عداه ليس إلا فقاعة نفوذ عابرة، ستذروها رياح الحقيقة فور غياب الكرسي وسقوط الأقنعة.





0 تعليق