«الجزيرة» - وائل العتيبي:
تُرفع الأعلام، وتمتلئ المقاهي، وتتبدل مواعيد النوم والاستيقاظ وفق جدول المباريات، فيما تتحول أسماء اللاعبين إلى حديث يومي يتجاوز اللغات والقارات والثقافات. ولا تكاد توجد فعالية بشرية معاصرة تجمع هذا العدد الهائل من البشر حول قصة واحدة كما يفعل كأس العالم.
غير أن البطولة التي صُممت لتكون احتفالًا عالميًا بالرياضة، تكشف في الوقت ذاته وجهًا آخر من الطبيعة البشرية؛ وجهًا يتجاوز حدود المنافسة المشروعة إلى التعصب والانفعال ورفض الرأي الآخر.
فمع كل نسخة من كأس العالم، تتكرر المشاهد ذاتها: جماهير تحتفل بانتصاراتها، وأخرى تبحث عن مبررات للهزيمة، ومنصات رقمية تتحول في غضون ساعات إلى ساحات للجدل والسخرية والاتهامات والتراشق اللفظي. وما كان يُقال قديمًا داخل المدرجات، أصبح اليوم يُنشر أمام ملايين المتابعين بضغطة زر.
وخلال العقود الماضية، لم تعد أحداث الشغب والعنف المرتبطة بالمنافسات الرياضية مجرد حوادث عابرة، بل تحولت إلى موضوع للدراسة والتحليل لدى علماء الاجتماع والإعلام وعلم النفس، الذين رأوا في الرياضة نموذجًا مكثفًا لفهم آليات الانتماء والهوية والتعصب الجماعي.
ومع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، ظهرت نسخة جديدة من التعصب لا تحتاج إلى مدرجات مكتظة أو مواجهات مباشرة. يكفي مقطع قصير، أو تصريح مثير، أو عنوان إعلامي مستفز، حتى تنطلق موجات من الجدل والاستقطاب والاصطفاف.
ولعل أخطر ما في المشهد أن بعض التغطيات الإعلامية أصبحت جزءًا من المشكلة ذاتها. فالمنافسة على نسب المشاهدة والتفاعل دفعت بعض المنصات إلى تبني عناوين حادة ولغة مشحونة تستفز المشجعين أكثر مما تثري فهمهم للحدث الرياضي.
فبدلًا من تحليل المباراة وقراءة أبعادها الفنية، يتحول النقاش أحيانًا إلى معركة بين جماهير المنتخبات. وبدلًا من الاحتفاء بالإنجاز الرياضي، ينصرف الاهتمام إلى إثارة الجدل وصناعة الاستقطاب، لأن المحتوى المثير للغضب غالبًا ما يحصد تفاعلًا أكبر في البيئة الرقمية.
وفي هذا السياق، لم يعد التعصب الرياضي قضية رياضية فحسب، بل أصبح قضية اجتماعية وثقافية وإعلامية تستحق الدراسة والمعالجة.
ومن هنا تبرز أهمية الجهود التي يقودها مركز الملك عبدالعزيز للتواصل الحضاري، الذي ينطلق من رؤية تعتبر الحوار أحد أهم الأدوات القادرة على تعزيز التماسك الاجتماعي ومواجهة مظاهر التعصب والانغلاق.
فالمركز، الذي تأسس عام 2003، لا يكتفي بالدعوة النظرية إلى الحوار، بل يعمل على تحويله إلى ممارسة مجتمعية من خلال برامج تدريبية وورش عمل ومبادرات بحثية تستهدف تنمية مهارات التواصل، وإدارة الاختلاف، وتعزيز قيم التعايش وقبول التنوع.
وتشمل برامجه التدريبية موضوعات متعددة، من أبرزها مهارات الحوار، والتواصل الحضاري، وإدارة الخلافات، والتفكير النقدي، ومواجهة خطاب الكراهية، وتعزيز ثقافة التسامح، بما يساعد الأفراد على التعامل مع الاختلافات الفكرية والثقافية والرياضية بمزيد من الوعي والنضج والاتزان.
كما يولي المركز اهتمامًا متزايدًا بالبحث العلمي واستطلاعات الرأي وقياس الظواهر الاجتماعية، إدراكًا منه أن مواجهة التعصب لا تبدأ بالشعارات، بل بفهم أسبابه ودوافعه وأنماطه وتأثيراته في المجتمع.
وتزداد أهمية هذه الجهود في زمن كأس العالم، حيث تتحول كرة القدم إلى لغة عالمية مشتركة تجمع مليارات البشر حول حدث واحد، لكنها تختبر في الوقت ذاته قدرتهم على تقبل الخسارة، واحترام المنافس، والتعايش مع الاختلاف.
فالمشكلة ليست في أن يحب المشجع منتخبه أو ناديه، بل في أن يتحول هذا الحب إلى مبرر لإقصاء الآخرين أو السخرية منهم أو الانتقاص من آرائهم وانتماءاتهم.
ولهذا فإن السؤال الذي تطرحه البطولات الكبرى لا يتعلق فقط بمن سيرفع الكأس في نهاية المطاف، بل بمدى قدرة المجتمعات على تحويل المنافسة إلى مساحة للتقارب الإنساني بدلًا من أن تكون سببًا للانقسام.
وفي عالم يزداد استقطابًا يومًا بعد يوم، قد يكون أهم انتصار يمكن تحقيقه خارج المستطيل الأخضر هو أن نتعلم كيف نشجع بشغف، ونختلف باحترام، ونخسر بكرامة، وننتصر دون أن نفقد إنسانيتنا.
ففي نهاية الأمر، لا تكمن القيمة الحقيقية للرياضة في عدد الأهداف التي تُسجل أو الكؤوس التي تُرفع، بل في قدرتها على جمع البشر حول شغف واحد، وترسيخ المعنى الأعمق للمنافسة النبيلة: أن نختلف دون أن نتخاصم، وأن نتنافس دون أن نفقد احترامنا لبعضنا بعضًا.













0 تعليق