حملت الاستقبالات الملكية للمنتخب السعودي في محطات التأهل إلى كأس العالم معنى أبعد من التكريم وصور الذكرى، فقد بدت في كل مرة لحظة وطنية تختصر معنى الحضور السعودي في المحفل الأكبر.
ومن مونديال أمريكا 1994 إلى مونديال قطر 2022، تشكلت ذاكرة خاصة لهذه اللقاءات؛ ذاكرة بدأت بكلمات الملك فهد التي صنعت الثقة الأولى، ومرّت بتوجيهات سامية تؤكد على التمسك بالأخلاق والتمثيل المشرف، وتُوجت بكلمات سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان التي خففت الضغط قبل واحدة من أعظم لحظات الأخضر في كأس العالم.
1994: تحفيز الملك فهد الذي قاد لأفضل مشاركة
في يوم الثلاثاء 2 نوفمبر 1993، وبعد أيام معدودة من حسم التأهل السعودي الأول إلى كأس العالم، استقبل الملك فهد بن عبد العزيز، في قصر السلام بجدة، لاعبي المنتخب السعودي، في مشهد تاريخي لا ينساه الوسط الرياضي السعودي.
كان التأهل إلى مونديال أمريكا حدثاً غير مسبوق، ولذلك جاء التكريم بحجم الإنجاز.
فقد منح الملك فهد نجله الأكبر الأمير فيصل بن فهد، الرئيس العام لرعاية الشباب، وشاح الملك عبد العزيز من الدرجة الأولى، ومنح نجله الآخر الأمير سلطان بن فهد، نائب الرئيس العام لرعاية الشباب، وشاح الملك فيصل، كما قدّم مكافآت مجزية للاعبين ومدربهم الوطني محمد الخراشي والأجهزة الفنية والإدارية والطبية.
لكن ما بقي أكثر من التكريم هو الحديث الأبوي الذي وجّهه الملك فهد للاعبين.
ومن تلك الكلمة بقيت عبارات راسخة في الذاكرة: «إذا كان القصد في الوطنية والتضحية، فعُرفت هذه البلاد بالتضحية والوطنية، إنما الأمور كلها بيد الله عز وجل وقدرته وهو القادر».
1998: «سفراء الوطن»
في تأهل ثانٍ
في يوم الأربعاء 10 ديسمبر 1997، استقبل الملك فهد، في قصر اليمامة بالرياض، لاعبي المنتخب السعودي بعد تأهلهم للمرة الثانية إلى كأس العالم 1998 في فرنسا، وقبل يومين من انطلاق بطولة القارات الثالثة على كأس الملك فهد، والتي استضافتها مدينة الملك فهد الرياضية بالرياض، في نسخة ميزها حضور منتخب البرازيل بطل العالم المتخم بالنجوم.
2006: تهنئة الملك عبد الله ووصية «الفريق الواحد»
في يوم الأربعاء 23 نوفمبر 2005، استقبل الملك عبد الله بن عبد العزيز، في قصره بالرياض، أعضاء المنتخب السعودي بمناسبة الوصول إلى كأس العالم 2006 في ألمانيا، وهو التأهل الرابع في تاريخ الأخضر.
هنأ الملك عبد الله اللاعبين على تحقيق الإنجاز، وحثّهم على تطوير مستوياتهم والعمل بجد واجتهاد لرفع علم المملكة عالياً في جميع المحافل الرياضية التي يشاركون فيها.
كما أوصاهم بالتمسك بالعقيدة الإسلامية الصحيحة، والاتكال على الله في جميع أمورهم، والتحلي بالأخلاق الحميدة، وأداء المباريات بروح الفريق الواحد بعيداً عن الأنانية.
الرسالة محددة وجليّة: اجتهاد في الملعب، انتباه في السلوك، وروح جماعية تليق بمنتخب يمثل بلداً عملاقاً.
2018: عودة بعد غياب واستقبال ملكي أبوي
بعد غياب الأخضر عن نسختي 2010 و2014، جاء التأهل إلى كأس العالم 2018 في روسيا كعودة طال انتظارها.
وفي يوم الأربعاء 20 سبتمبر 2017، استقبل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، في قصر السلام بجدة، لاعبي المنتخب السعودي بمناسبة التأهل.
وجّه الملك سلمان كلمة للاعبين أكد فيها أنهم يمثلون بلدهم؛ قبلة المسلمين، بلاد الحرمين، ومنطلق العروبة، وأن الوصول إلى حدث دولي مثل كأس العالم ليس أمراً سهلاً.كما دعاهم إلى الاعتماد على الله وبذل الجهد، متمنياً لهم التوفيق والعودة سالمين غانمين.
وفي ذلك الاستقبال ظهر جانب إنساني حظي بالتفاعل الشعبي، حين مازح الملك سلمان اللاعبين بقوله: «بروح ألعب معكم.. كنا لاعبين كورة زمان»، ثم استعاد الاسم القديم للكرة في الذاكرة الشعبية: «طابة».
2022: توجيه ذكي قبل ملحمة الأرجنتين
في يوم الأحد 23 أكتوبر 2022، استقبل سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، في مكتبه بجدة، لاعبي المنتخب السعودي قبل ذهابهم إلى قطر للمشاركة في كأس العالم 2022، وسط مجموعة صعبة ضمت الأرجنتين وبولندا والمكسيك.كانت كلمة ولي العهد لافتة في هدوئها وذكائها، فقد طالب اللاعبين بأن يستمتعوا بالمباريات الثلاث، وأن يؤدوا مبارياتهم دون ضغوط نفسية تؤثر على أدائهم الطبيعي، مشيراً إلى صعوبة المجموعة وأنه ليس متوقعاً من المنتخب تحقيق نتائج كبيرة، لكن الدعوات معهم والجميع يتابعهم أولاً بأول.
كانت تلك الكلمات أقرب إلى تخفيف مدروس للضغط لا تقليلاً من الطموح، وقد ظهر أثر هذا المعنى في افتتاحية الأخضر أمام الأرجنتين.هكذا بدت كلمة ما قبل المونديال جزءاً من الإعداد النفسي الهادئ: لا مبالغة في الوعود، ولا تضخيم للرهبة، بل دعوة للاعبين كي يقدموا أنفسهم كما هم، بثقة ومتعة وشجاعة.
ذاكرة لا تقف عند حدود المستطيل
من الملك فهد إلى الملك عبد الله، ومن الملك سلمان إلى الأمير محمد بن سلمان، ظل الأخضر يجد في هذه اللقاءات معنى أعمق من التأهل والبطولة: كأس العالم ليست رحلة رياضية فقط، بل نافذة يظهر منها الوطن أمام العالم.
** **
- أحمد الأسمري





0 تعليق