د.عيد بن حجيج الفايدي
الوطن لا علاقة له بنتائج مباريات كأس العالم، لأن الوطن ليس لوحة نتائج ولا جدول ترتيب، بل كيان أوسع من أن يُختزل في مباراة، وأعمق من أن تُقاس كرامته بلحظة فرح أو صدمة عابرة. المنتخب قد يخسر، وقد ينهار تكتيكيًا، وقد يتأخر فنيًا، لكن ذلك لا يعني أن الأمة خسرت، ولا أن الهوية انكسرت، ولا أن التاريخ توقف. فالمباريات في أصلها تقوم على قانون بسيط: طرف ينتصر وطرف يتعثر، وهذه طبيعة المنافسة لا علامة على القيمة الوجودية للمجتمع.
والخطأ الأكبر ليس في الخسارة نفسها، بل في تحويلها إلى خطاب ناقد مؤلم شامل. حين تُقال عبارة مثل «خسارة العرب» أو «هزيمة الأمة»، يصبح الحدث الرياضي أكبر من حجمه، ويُحمَّل بما لا يحتمل. هنا لا يعود الجمهور يفكر في أسباب الخلل، بل في الشعور بالهزيمة الرمزية، وكأن المباراة محكمة تاريخية لا لقاءً كرويًا محدودًا. وهذا الخلط يُضعف النقد الصحيح، لأن السؤال لا ينبغي أن يكون: لماذا نحن هكذا؟ بل: ما الذي ينقص منظومتنا الرياضية كي تصل إلى مستوى المنافسة؟
والشواهد من المنتخبات الكبرى كثيرة. ألمانيا، مثلًا، ليست نموذجًا في الانتصار الدائم؛ فقد عاشت صدمة قوية في كأس العالم 2018 حين خرجت من الدور الأول، ومع ذلك لم يُفسَّر الحدث على أنه انهيار قومية، بل كأزمة فنية ومنظومية تحتاج لمراجعة. البرازيل كذلك لم تكن دائمًا في صعود؛ خسارتها الثقيلة أمام ألمانيا في 2014 بقيت علامة فارقة في تاريخها الرياضي، لكنها دفعتها إلى مراجعات واسعة في الفلسفة التدريبية والبناء الفني. والأرجنتين أيضًا عاشت سنوات من الخيبة قبل أن تعود وتتوج في 2022، ما يثبت أن المجد الرياضي ليس حالة ثابتة، بل نتيجة تراكم طويل من الإصلاح والتجربة.
أما اليابان وكوريا الجنوبية، فهما أوضح مثال على أن الكرة الحديثة تُبنى بالتصحيح لا بالرثاء. اليابان تحديدًا تُنظر إليها كثيرًا كنموذج في الانضباط والتطور التدريجي، لكنها أيضًا لم تصل إلى مستوى النخبة العالمية إلا عبر سنوات طويلة من التخطيط، والمنافسات، والهزائم، وإعادة ضبط الأداء. والمنتخبات الآسيوية إجمالًا لم تُولد بميزة طبيعية، بل صنعت لنفسها مكانًا عبر الاحتراف والانضباط والبرنامج الطويل، لا عبر الشعارات.
ومن هنا، فإن الحديث عن مباريات أول بطولة كأس عالم كان «دعوة» لبعض الدول لأن كرة القدم مجهولة وليست معروفة .لكن اليوم الوصول إليها ليس بابًا مفتوحا، بل مسار شديد الإرهاق، هناك تنظم التأهل عبر تصفيات قارية معقدة، تمتد عبر اتحادات متعددة، وتفرض على المنتخبات خوض مباريات كثيرة قبل بلوغ النهائيات. ومع توسع البطولة إلى 48 فريقًا في نسخة 2026، بقيت الفكرة الأساسية نفسها: التأهل يُنتزع عبر المنافسة، وليس بمنحة مجانية، وحتى الدول المستضيفة الثلاث تتأهل تلقائيًا بصفة الاستضافة لا بصفة المجاملة.
وهذا المسار نفسه مرهق ماليًا ونفسيًا وعمليًا. فالتصفيات تعني سفرًا متكررًا، وضغطًا بدنيًا، وتفاوتًا في ظروف الملاعب، وتبدلًا في البيئات الجوية والزمنية، إضافة إلى التوتر الإداري والتغطية الإعلامية والضغط الجماهيري. وفي الحالات الحديثة، زادت الأعباء الأمنية واللوجستية من ثقل هذا المسار، خصوصًا حين تتقاطع كرة القدم مع مسائل الحدود، والسفر، والتمويل، والسلامة. لذلك فالوصول إلى كأس العالم نفسه إنجاز مؤسسي قبل أن يكون إنجازًا رياضيًا.
وهنا تحية وتقدير لكل من يعمل في مجال الرياضة مهما كانت وظيفته أو من يمثّل الوطن في أي محفل كان.ومهما يكن من أمر: لا يوجد منتخب «لم يخسر خيرًا» بالمعنى المطلق، ولا يوجد فريق بلغ القمة من دون أن يمر بمرحلة ضعف أو سقوط أو إعادة تأسيس. الفرق بين الأمم ليس في أنها لا تهزم، بل في أنها لا تجعل الهزيمة جلداً للذات. والفرق بين الإعلام الرصين والإعلام الانفعالي ليس في نقل النتيجة، بل في طريقة تأطيرها: هل هي خسارة منتخب تستدعي تصحيحًا، أم هزيمة أمة تستدعي النواح؟ الأول يُنتج بناءً، والثاني يُنتج تعطيلًا.
وعليه، فالنص الأقرب للحقيقة هو: الوطن أكبر من نتيجة، والمنتخب أكبر من لحظة، وكأس العالم أكبر من عاطفة عابرة، لأنه ساحة تُقاس فيها المنظومات لا الهويات. فالأمم التي تتعلم من خسارتها هي التي تصعد، والأمم التي تحوّل الخسارة إلى خطاب وجودي هي التي تتأخر.
المهم الوطن لايختزل بنتيجة مباراة بين فريقين يتقاذفون كرة في الهواء مصنوعة من جلد حيوان.





0 تعليق