عبدالرحمن الحضري
في المشهد الافتتاحي لمسرحية «ضيعة تشرين» الكلاسيكية عام 1974 لمحمد الماغوط ودريد لحام؛ أدت المجموعة «سكتش» عبقري يجسد فصل محو الأمية لكبار الضيعة. يقف المعلم أمام اللوح الخشبي المهترئ ليسأل المختار «نهاد قلعي» عن ناتج جمع (7+7) ليجيبه المختار بثقة مفرطة ويقين لا يخالجه الشك بأن وضع السبعة بجوار السبعة يساوي سبعة وسبعين.
وحين يرفض الأستاذ هذه الإجابة المتجاوزة لقوانين المنطق، يثور الطلاب الكبار دفاعًا عن مختارهم المبجل؛ فالرجل الذي يحل أعقد مشاكل الضيعة ويفصل في نزاعاتها، كيف تعجزه مسألة حسابية صغيرة؟ تبدأ بعدها سلسلة من المساومات العبثية، فيقترح المختار (57) ويتم الرفض من المعلم، ثم يرفع السقف بكرم حاتمي نزولاً عند رغبة زملائه الذين أشاروا عليه بـ»بحبحة» الرقم، فيوافق ويرفع الناتج إلى (88)!وعندما سخر المعلم من الجواب، استشاط المختار غضبًا، فعزز من إجابته بسلاح الدمار الشامل.. وأقسم بيمين الطلاق المغلظ أن سبعة زائد سبعة تساوي ثمانية وثمانين!
تبلغ الكوميديا السوداء ذروتها باقتحام زوجة المختار للفصل وهي تولول وتندب حظها العاثر، راجيةً الأستاذ أن يقبل الجواب إنقاذًا لزواجها، وأن العلم يبني البيوت ولا يهدمها، ومذكرةً إياه بمأساة الزوجة السابقة التي طُلقت وتشردت بسبب همزة في مادة الإملاء!
هذا المشهد السريالي الذي طالما أضحكنا حتى دمعت أعيننا، قفز ببراعة من خشبة المسرح القديم ليحتل المشهد، ويحكم «بعض» برامجنا الرياضية التي يفترض أنها وُجدت لتشكل وعي الجماهير وترتقي بذائقتهم.
بمجرد إطلاق حكم الساحة لصافرة نهاية أي مباراة ديربي أو كلاسيكو، تتحول الاستديوهات الرياضية إلى نسخ محدثة من فصل ضيعة تشرين. المفارقة المضحكة المبكية هنا هي أن سبورة الطباشير استُبدلت بشاشات عملاقة، وأجهزة محمولة يمسك بها «المخاتير الجدد» بأناقة وهم يرتدون أحدث ماركات البدلات الأنيقة.
الكرة تتجاوز خط المرمى بوضوح، وتؤكدها زوايا الكاميرات المتعددة والإعادات البطيئة وتقنيات الـ(VAR)، لكن «مختار» التحليل الحديث ينظر إلينا مباشرة من خلال كاميرا الاستوديو، وبغمزة واثقة تفوق ثقة مختار الضيعة، يقسم بأن الكرة لم تتجاوز الخط، وأن الفيزياء وقوانين الجاذبية تآمرت ضد فريقه!
لم يقتصر هذا على شاشات التلفزيون، بل تضخم وتوحش في منصة «إكس» حيث تحول كبار المتعصبين إلى «مخاتير رقميين» يمتلكون أختام الصكوك الرياضية. وإن غامر بعض المتزنين بطرح آراء منطقية وهادئة، يجدون أنفسهم فجأة وسط إعصار من الهجوم والتشكيك في النوايا، تشنه جيوش إلكترونية لا ترضى إلا بالناتج العبثي الذي يوافق هواها.
أمام هذه المسرحية اليومية المكررة، يجلس عشاق كرة القدم الحقيقيين المغلوب على أمرهم، خلف شاشاتهم البلورية، يراقبون كيف يُنحر المنطق أمام أعينهم، وكيف تتحول المتعة إلى ساحة لتصفية الحسابات بحسب الألوان.
ما خلصنا..
في نهاية «سكتش» مدرسة الضيعة، وبعد أن أنهك التعب المعلم وطلابه الكبار واستنزف كل طاقتهم؛ ينتفض المختار ويطرح خياره النهائي والأخير لينهي الجدل البيزنطي فيخاطب الأستاذ بنبرة لا تخلو من التهديد: (سبعة وسبعة آخر كلمة بيصيروا تسعة وتسعين؛ يا تقبل مني الجواب، يا إما بنعمل مشكل)!
وبدلاً من تقويم هذا الجهل، يقف الطلاب في صف واحد مصفقين ومرددين بحرارة: (سبعة وسبعة.. قدّ ما بدّو المختار)!
هذا هو حال «بعض» برامجنا الرياضية اليوم؛ طالما أن إثارة الجدل هي الوقود الذي يحرك عجلة الأرباح والمشاهدات، وطالما أن هناك من يستعد للتصفيق والهتاف ومباركة اللا منطق بإعادة النشر والريتويت، فستبقى لغة الأرقام وقوانين اللعبة خاضعة لمزاجية التعصب الأعمى. وسيظل «المختار» مستعدًا لهدم مصداقيته وإلغاء عقله، فقط ليثبت للجميع أن الكرة التي عانقت الشباك ومزقتها.. كانت في الحقيقة تتنزه خارج الملعب!
المأساة ليست في أن يخطئ المختار في الحساب، بل في أن تصفق له الضيعة، وحينها.. لا عزاء للغة الأرقام، ولا لأبجديات المنطق!
ولاستعادة التوازن أعزائي، وللخروج من وحل التعصب للألوان إلى رحابة الانتماء الذي يجمعنا ولا يفرقنا.. أترككم مع رائعة الأمير الشاعر عبدالرحمن بن مساعد:
جاكم الإعصار ما شيٍ يعيقه
منتخبنا اليوم وخّر عن طريقه
هذا الاخضر لي لعب
جهزوا كاس الذهب
أذكر الله وشوف
وانسى الحذر والخوف
ما يعرف الخوف من هذا فريقه
سلطنوا..












0 تعليق