يظل كأس العالم بطولة كروية تتنافس فيها المنتخبات على اللقب، لكنه في أحد أهم مظاهره، مناسبة إنسانية كبرى تلتقي فيها الشعوب والثقافات، وتتحول المدن المستضيفة إلى مسرح عالمي مفتوح لرواية الحكايات وعرض الألوان الثقافية وأداء الرقصات وغناء الأهازيج. وخلال شهر كامل تقريبًا، لا تبقى الملاعب وحدها مركز الحدث إذ يمتد المشهد إلى الشوارع والمقاهي والمراكز التجارية ومحطات النقل وساحات المدن ومعالمها الشهيرة حيث تمتلئ بجماهير جاءت من أصقاع الأرض، وهي تحمل أعلامها وأغانيها وملابسها وطرقها الخاصة في الفرح.
وتأتي نسخة كأس العالم 2026 التي تستضيفها الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا بطابع فريد ومختلف؛ فهي النسخة الأولى التي تجتمع في استضافتها ثلاث دول. وتفتح بذلك الباب أمام حضور جماهيري واسع، وتقديم صورة جديدة عن العلاقة بين الرياضة والتنظيم والسياحة والاقتصاد. فالولايات المتحدة، بما تملكه من خبرة طويلة في صناعة الأحداث الرياضية الكبرى والتعامل الإعلامي معها، تضيف إلى كرة القدم شيئًا من روحها التنظيمية المعروفة في كرة القدم الأمريكية وكرة السلة والبيسبول حيث تتحول المباراة إلى تجربة متكاملة تبدأ قبل صافرة الحكم ولا تنتهي بانتهاء التسعين دقيقة.
ومن المظاهر اللافتة في هذه النسخة حضور التفاصيل التنظيمية الجديدة؛ فالعد التنازلي الذي يظهر على الشاشات قبل انطلاق المباراة يمنح الجمهور إحساسًا بالترقب والمشاركة. كما أن إعلان الحكم قراره بعد العودة إلى تقنية الفيديو (VAR) يضيف قدرًا من الوضوح والشفافية، ويجعل الجمهور داخل الملعب أقرب إلى فهم ما يحدث بدل أن يبقى القرار حبيس حديث الحكام وغرفة التقنية. وتكشف هذه التفاصيل، وإن بدت صغيرة، كيف تحولت كرة القدم الحديثة إلى الاهتمام بتجربة المُشاهد داخل الملعب.
ومن ناحية أخرى، لا يقتصر جمال كأس العالم على متعة مشاهدة المباريات بل يكشف المونديال جماله أيضًا في المدرجات. فلكل جمهور طريقته الخاصة في التشجيع، ولكل شعب لغته في التعبير عن الحماس والانتماء والفرح. فيحول الهولنديون، بلباسهم البرتقالي المعروف، المدرج إلى موجة من الغناء والرقص حيث يرددون الأهازيج ويتمايلون جماعيًا بقفزات خفيفة يمينًا ويسارًا في مشهد يوحي بأن التشجيع عندهم احتفال منظم. أما الدنماركيون، فيحضرون بإيقاع مختلف. فهم يقرعون الطبول، ويحركون أيديهم إلى الخلف كأنهم يجدفون في قارب كبير، فتبدو المدرجات وكأنها سفينة جماعية تمضي بإيقاع واحد خلف منتخبها في مشهد يستدعي في الذاكرة إرث الفايكنغ (Vikings) البحري وروح الشمال الأوروبي. وبين هذا اللون وذاك الإيقاع، تتحول الجماهير إلى جزء من العرض الثقافي حيث أنها تُبرز فيه العادات والتقاليد والرموز في لوحة إنسانية واحدة.
ولا يتوقف التبادل الثقافي عند حدود الملعب. فكثير من الجماهير القادمة من أوروبا وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية تكتشف تفاصيل الحياة اليومية في المدن المستضيفة من الأسواق والمراكز التجارية والمطاعم ووسائل النقل وتنوع المنتجات واختلاف العادات الاستهلاكية. ويشارك بعض الزوار تلك التجارب في مواقع التواصل الاجتماعي حيث يصورون دهشتهم من وفرة الخيارات وتنوع المشروبات والنكهات وطريقة ترتيب المتاجر وتجارب الطعام الجديدة مثل التاكو (Taco) وغيره من الأطعمة المرتبطة بثقافة المكان. فالمونديال بوابة غير مباشرة للتعريف بالمجتمع عبر تجربة الإنسان العادي وهو يروي ما شاهده وعايشه.
ومن هنا يظهر الخطاب الإنساني الذي تُفضله الشعوب، وهو خطاب التعايش والتبادل الثقافي. فالدولة المستضيفة لا تُقدم الحدثَ الرياضي وحده لكنها تقدم أيضًا صورتها التي تُريد أن يراها العالم من خلال مدنها وثقافتها وطريقة تنظيمها وقدرتها على استقبال الزوار. فكل مشجع يعود إلى بلده يحمل معه انطباعًا عن الناس والأسعار والطعام والنظام والضيافة وسهولة التنقل وجمال المدن أو صعوباتها. وبذلك تتحول البطولة إلى فرصة ترويجية، اقتصادية وسياحية وثقافية، تصنع الدول المستضيفة من خلالها صورة ذهنية تبقى في ذاكرة الزائر طويلًا.وفي الختام، يظل كأس العالم مساحة رحبة للتعارف بين الشعوب. فحين يجلس شخصان في المدرج لا يتحدثان اللغة نفسها، فإنهما يفهمان معنى الهدف ودهشة الفرصة الضائعة وفرحة الفوز ومرارة الخسارة. إنها اللغة الجامعة التي لا تحتاج إلى ترجمة. إنها لغة الكرة حين تصبح جسرًا بين الناس، وحين يتحول المونديال إلى حكاية عالمية عن الإنسان والثقافة.
** **
د. حمد بن محمد السمرين - باحث بالإذاعة والتلفزيون والفيلم - كلية الإعلام والاتصال-جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية











0 تعليق