ومن هنا تبدأ الإشكالية حين يتصدر بعض مواقع القرار من لا يدرك أن السمعة ليست خبرا ينشر ولا صورة تلتقط ولا مناسبة تنظم، بل رصيد إستراتيجي يتكون من المصداقية والوضوح وجودة العلاقة بين المنظمة وجمهورها، فالمسؤول الذي لا يعي قيمة الاتصال المؤسسي لا يضعف إدارة الإعلام أو العلاقات العامة فقط بل يربك صورة المنظمة كلها ويتركها عرضة للتأويل والشائعات والانطباعات الخاطئة.
وفي رأيي أن كثيرا من المنظمات لا تتضرر بسبب ضعف إنجازها، بقدر ما تتضرر بسبب ضعف قدرتها على شرح هذا الإنجاز وتقديم قراراتها للناس بلغة واضحة ومقنعة. فقد يكون القرار صحيحا لكنه يفشل اتصاليا لأن طريقة تقديمه لم تكن صحيحة، وقد تكون المبادرة نوعية لكنها تفقد أثرها لأنها لم تجد خطابا مؤسسيا يشرح قيمتها ويربطها باحتياج الجمهور. وتتضح المشكلة أكثر حين يختزل بعض المسؤولين الاتصال المؤسسي في التصوير والنشر والتغطية الإعلامية، وكأن المهمة تنتهي عند إنتاج خبر أو توثيق مناسبة، وهذا فهم قاصر لا ينسجم مع طبيعة الاتصال الحديث. فالاتصال المؤسسي لا يبدأ بالكاميرا ولا ينتهي بالمنصة، بل يبدأ من فهم القرار وقراءة الجمهور وتحديد الرسالة، وتوقع ردود الفعل وإدارة الانطباع وبناء المعنى.
والمؤسف أن بعض من يتصدرون مواقع القرار ما زالوا ينظرون إلى العلاقات العامة بوصفها إدارة للمناسبات والضيافة، وترتيب المشاهد الاحتفالية، وهذا تصور بدائي لا ينسجم مع مفهوم الاتصال المؤسسي الحديث. فالعلاقات العامة ليست إدارة كراسي ومنصات بل إدارة ثقة وسمعة وتأثير، ومن يختزلها في هذا الدور الضيق يكشف محدودية وعيه بطبيعة المنظمات الحديثة؛ لأن من لا يفهم قيمة الاتصال لا يستطيع حماية صورة المؤسسة ولا إدارة علاقتها بجمهورها.
لقد تحولت العلاقات العامة من وظيفة تنفيذية محدودة، إلى وظيفة إستراتيجية مؤثرة، فهي تقرأ البيئة وتدير العلاقة مع أصحاب المصلحة ،وتبني الصورة الذهنية، وتحلل اتجاهات الجمهور، وتدعم القرار، وتتعامل مع المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات. ولهذا فإن التعامل معها كإدارة مناسبات فقط يعني أن المنظمة لم تفهم بعد موقع السمعة في الإدارة الحديثة.
من واقع خبرتي وممارستي للعمل في مجال الاتصال والإعلام إداريا وأكاديميا لأكثر من 25 عاما، أرى أن الأزمة الاتصالية غالبا لا تولد من الحدث نفسه، بل من طريقة التعامل معه، فقد يكون الحدث محدودا لكن الرسالة المرتبكة تضخمه، وقد يكون القرار مبررا لكن ضعف التفسير يشوهه، وقد تكون النية المؤسسية جيدة لكن غياب الوضوح يجعل الجمهور يقرأها بعكس مقاصدها.
وهنا تكمن قيمة الاتصال المؤسسي بوصفه عقلا مهنيا يربط بين القرار والناس وبين المعلومة والانطباع، وبين الواقع والصورة الذهنية، فليس المهم فقط ماذا تفعل المنظمة بل كيف تشرح ما تفعل ومتى تتحدث وبأي لغة ومن يخاطب الجمهور باسمها، فإن السمعة لا تبنى بردود الفعل ولا تدار بالمزاج الإداري ولا تحمى بالمجاملات، بل تحتاج إلى منهج وفريق محترف وخطة ورسائل ومؤشرات قياس ووعي عميق بحساسية الجمهور وسرعة التحول في البيئة الإعلامية؛ فالمؤسسة التي تتعامل مع الاتصال بعد وقوع المشكلة تكون قد تأخرت، أما المنظمة الناضجة فتجعل الاتصال حاضرا قبل القرار وأثناءه وبعده.
وفي الأزمات يظهر الفرق بين المسؤول الواعي والمسؤول التقليدي. فالواعي يدرك أن الفراغ المعلوماتي عدو السمعة فيبادر بالشرح والتوضيح والاحتواء، أما التقليدي فينتظر حتى تتسع الأزمة ثم يبحث عن بيان أو خبر ينقذ الموقف، وغالبا تكون الانطباعات قد سبقت الحقيقة.
ولا يمكن لأي منظمة أن تبني سمعتها خارجيا وهي ضعيفة اتصاليا من الداخل، فالموظف هو الجمهور الأول والناقل الأول للصورة الذهنية، وعندما تغيب الرسالة عن الداخل تنتشر الاجتهادات وتضعف الثقة ويتراجع الانتماء، لذلك فإن الاتصال الداخلي ليس ترفا إداريا بل أساس من أسس بناء الثقة المؤسسية.
مستقبل المنظمات لن تصنعه القرارات الجيدة وحدها، بل تصنعه القدرة على تحويل هذه القرارات إلى رسائل مفهومة ومقنعة ومؤثرة، فالسمعة تبدأ من وعي القيادة بقيمة الاتصال، والثقة تبنى حين يصبح الاتصال جزءا من الثقافة المؤسسية لا مجرد إدارة على الهامش، ومن هنا أؤكد أن الاتصال المؤسسي ليس صوت المنظمة فقط بل عقلها في مواجهة الجمهور، وجسرها إلى الثقة وذاكرتها أمام الأزمات، ومن لا يدرك هذه الحقيقة سيظل يتعامل مع السمعة كصورة عابرة، بينما هي رأس مال إستراتيجي إن لم تحسن المنظمة بناءه وحمايته، فقد تخسر الكثير حتى وإن كانت تملك القرار والإنجاز.












0 تعليق