حين غادرت الموناليزا اللوفر

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
لوحة الموناليزا للفنان الإيطالي ليوناردو دافنشي واحدة من أشهر الأعمال الفنية في تاريخ البشرية، إلا أن مكانتها العالمية الحالية لم تكن نتيجة قيمتها الفنية وحدها، بل ارتبطت أيضًا بحادثة سرقتها الشهيرة عام 1911م، وهي الحادثة التي تحولت إلى واحدة من أكثر الجرائم الفنية إثارة في القرن العشرين، وأسهمت بصورة كبيرة في تحويل اللوحة إلى أيقونة ثقافية عالمية. وقد رسم دافنشي لوحة الموناليزا في مطلع القرن السادس عشر، ويرجح أن العمل بدأ نحو عام 1503م واستمر عدة سنوات. وبعد وفاة الفنان انتقلت اللوحة إلى فرنسا، حيث أصبحت ضمن المقتنيات الملكية قبل أن تستقر في متحف اللوفر في باريس، الذي يعد اليوم أحد أهم المتاحف في العالم. وظلت هوية المرأة التي تظهر في اللوحة محل جدل لقرون طويلة، إلا أن الرأي الأكثر قبولًا بين مؤرخي الفن يرى أنها ليزا غيرارديني، وهي سيدة من مدينة فلورنسا الإيطالية وزوجة التاجر فرانشيسكو ديل جوكوندو، ولذلك تُعرف اللوحة في إيطاليا باسم «لا جوكوندا». وُلدت ليزا عام 1479م، ويُعتقد أن زوجها كلف ليوناردو برسمها في مناسبة عائلية أو اجتماعية. ومع ذلك، احتفظ دافنشي باللوحة معه سنوات طويلة، واستمر في إجراء تعديلات عليها حتى أواخر حياته. وقد أدى هذا الأمر إلى ظهور فرضيات أخرى حول هوية صاحبة اللوحة، إذ رأى بعض الباحثين أنها قد تمثل امرأة مثالية أو شخصية رمزية، إلا أن معظم الدراسات الحديثة تؤيد أنها تمثل ليزا غيرارديني.

وفي صباح يوم الإثنين 21 أغسطس 1911م، اكتشف العاملون في متحف اللوفر اختفاء اللوحة من مكانها. وفي البداية ظن الموظفون أنها نُقلت للتصوير أو الصيانة، لكن سرعان ما اتضح أنها سُرقت بالفعل. وأغلقت السلطات المتحف عدة أيام، وبدأت تحقيقًا واسعًا شمل العاملين والزوار. وأصبحت القضية حديث الصحافة العالمية، وخصصت الصحف مساحات واسعة لمتابعة تطورات التحقيق، الأمر الذي أسهم في زيادة شهرة اللوحة حتى أثناء غيابها. ومن أكثر الجوانب إثارة في القضية أن الفنان الإسباني الشهير بابلو بيكاسو خضع للتحقيق من قبل الشرطة الفرنسية. فقد كان صديقه الشاعر غيوم أبولينير على صلة بأحد الأشخاص الذين سبق لهم سرقة بعض القطع الأثرية الصغيرة من متحف اللوفر، وكانت بعض تلك القطع قد وصلت إلى بيكاسو في وقت سابق. وعندما اختفت الموناليزا اتسعت دائرة الشبهات، واستُدعي أبولينير للتحقيق، ثم ذُكر اسم بيكاسو خلال الاستجوابات. وتشير الروايات إلى أن الفنان بدا متوترًا خلال التحقيق، إلا أن الشرطة لم تجد أي دليل يربطه بسرقة اللوحة، فأُغلقت القضية بحقه، لتبقى هذه الواقعة واحدة من أغرب الحوادث في حياة أحد أعظم فناني القرن العشرين.

بعد أكثر من عامين من اختفاء اللوحة، ظهر السارق الحقيقي، وهو الإيطالي فينتشنزو بيروجيا، الذي كان يعمل سابقًا في متحف اللوفر. وقد أخفى اللوحة داخل غرفته في باريس طوال تلك المدة. وفي عام 1913م حاول بيع اللوحة إلى أحد تجار الفن في مدينة فلورنسا، مدعيًا أنه أراد إعادة العمل الفني إلى موطنه الأصلي إيطاليا. وعندها كُشف أمره وألقي القبض عليه، وأعيدت اللوحة إلى إيطاليا حيث عُرضت مؤقتًا في عدد من المدن قبل أن تعود إلى فرنسا عام 1914م.

وقد اختلفت الآراء حول دوافع بيروجيا؛ فبينما رأى البعض أنه تصرف بدافع وطني، اعتبر آخرون أن الشهرة والمكاسب الشخصية كانت الدافع الحقيقي وراء الجريمة. ولم تنته قصة الموناليزا عند سرقتها عام 1911م، بل ظلت اللوحة هدفًا لمحاولات الاعتداء والتخريب خلال العقود اللاحقة. ففي عام 1956م تعرضت للرشق بحجر أدى إلى إلحاق ضرر بسيط بطبقة الطلاء، الأمر الذي دفع المتحف إلى تعزيز إجراءات الحماية. وفي مايو 2022م أقدم أحد الزوار، متنكرًا في هيئة امرأة مسنة تستخدم كرسيًا متحركًا، على إلقاء كعكة على الزجاج الواقي الذي يحمي اللوحة، في محاولة للفت الانتباه إلى قضايا التغير المناخي. ولم تتضرر اللوحة بسبب وجودها خلف زجاج مضاد للرصاص. كما شهد عام 2024م حادثة أخرى عندما ألقى ناشطان بيئيان الحساء على الزجاج الواقي أمام اللوحة احتجاجًا على قضايا تتعلق بالإنتاج الزراعي والأمن الغذائي. ومرة أخرى لم تتعرض الموناليزا لأي ضرر، بفضل إجراءات الحماية المتقدمة داخل متحف اللوفر. وتكشف هذه الحوادث أن الموناليزا لم تعد مجرد لوحة فنية تعود إلى عصر النهضة، بل أصبحت رمزًا ثقافيًا عالميًا يجذب ملايين الزوار سنويًا، ويظل حاضرًا في وسائل الإعلام والنقاشات الثقافية وحتى الاحتجاجات المعاصرة.


إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق