إبراهيم بن يوسف المالك
كيف تتخذ الشركات قراراتها عندما تختفي الضمانات ولا تختفي المسؤولية؟
في البيئات التقليدية، يُبنى القرار على افتراض غير معلن مفاده أن الأنظمة وُجدت لتقليل الهشاشة إلى الحد الأدنى، وأن دور القيادة هو الانتظار حتى تتضح الصورة بما يكفي لاتخاذ قرار محسوب. هذا الافتراض كان صالحًا نسبيًا في بيئات مستقرة، حيث كانت المتغيرات محدودة، وسرعة التغير أبطأ، والقدرة على التنبؤ أعلى. لكن في البيئات الحديثة، وخصوصًا داخل البرامج الكبرى والتحولات الوطنية والمنظمات المعقدة، لم تعد الهشاشة حالة استثنائية تظهر عند الأزمات فقط، بل أصبحت جزءًا بنيويًا من طبيعة التشغيل نفسها. الأنظمة قد تعمل بكفاءة، والمؤشرات قد تبدو مستقرة، والعمليات قد تسير كما هو مخطط لها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن النتائج قابلة للضمان أو أن المخاطر يمكن احتواؤها بالكامل أو أن الصدمات الخارجية يمكن امتصاصها دون أثر عميق.
المشكلة الحقيقية لا تكمن في وجود الهشاشة، بل في الطريقة التي تتعامل بها المؤسسات معها. كثير من المؤسسات لا تعترف بالهشاشة صراحة، بل تحاول إدارتها عبر زيادة مستويات التحكم، أو توسيع الهياكل الرقابية، أو مضاعفة طبقات الاعتماد والمراجعة، على افتراض أن المزيد من الإجراءات يعني المزيد من الأمان. لكن التجربة العملية تشير إلى أن الإفراط في البحث عن الضمانات لا يقل خطورة عن التسرع في اتخاذ القرار، لأن تأجيل القرار في بيئة هشة لا يلغي المخاطر، بل يعيد توزيعها عبر الزمن، ويحولها غالبًا إلى مخاطر أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للاحتواء.
في هذا السياق، يبدأ الحكم القيادي الحقيقي عند النقطة التي تتوقف فيها الأنظمة عن تقديم وعود ضمنية بالأمان. هنا تنتقل القيادة من محاولة حماية النتائج إلى تحمل مسؤولية العواقب. القرار لم يعد قرارًا بين بدائل واضحة، بل يصبح قرارًا في مساحة لا تقدم فيها البيانات إجابة نهائية، ولا توفر فيها النماذج التحليلية ضمانًا كاملاً، ولا تستطيع فيها لوحات القياس أن تعكس الصورة الكاملة للواقع. في هذه اللحظة تحديدًا يظهر الفرق بين الإدارة التشغيلية التي تدير ما هو معروف، والقيادة التنفيذية التي تتحمل مسؤولية ما لا يمكن التنبؤ به بالكامل.
الهشاشة لا تعني أن النظام ضعيف أو فاشل، بل تعني أن قدرته على تحمل الصدمات محدودة، وأن هامش الخطأ فيه أقل، وأن أي تأخير في القرار قد يتحول إلى تضخم في المخاطر مع مرور الوقت. المؤسسات التي لا تدرك هذه الحقيقة نادرًا ما تنهار بشكل مفاجئ، بل تدخل في حالة تآكل بطيء. القرارات تصبح أبطأ، والمسؤوليات تصبح أكثر ضبابية، والملكية الحقيقية للقرار تتوزع على عدد أكبر من الأطراف حتى تختفي فعليًا. ومع الوقت، يتحول التأجيل إلى ثقافة، ويتحول الحذر إلى غطاء لغياب القرار، وتتحول الحوكمة من أداة لتمكين الحكم القيادي إلى آلية لتجنب تحمل مسؤوليته.
القيادة في البيئات الهشة لا تقوم على البحث عن اللحظة المثالية لاتخاذ القرار، لأن هذه اللحظة غالبًا لا تأتي. بل تقوم على القدرة على التحرك ضمن مستويات معقولة من عدم اليقين، مع إدراك واضح بأن المسؤولية لا يمكن تأجيلها إلى أن تصبح الصورة مكتملة. المؤسسات الأكثر نضجًا لا تبني قوتها على افتراض أن الهشاشة ستختفي، بل على قدرتها على العمل رغم وجودها. وهي لا تبحث عن قادة ينتظرون اختفاء المخاطر، بل عن قادة قادرين على العمل في ظلها، مع وعي كامل بالعواقب، ومع استعداد لتحمل مسؤوليتها أمام المؤسسة وأمام الزمن.
في النهاية، لا يكمن التحدي الحقيقي في بناء أنظمة خالية من الهشاشة، لأن ذلك يكاد يكون مستحيلاً في عالم سريع التغير ومترابط بهذا الشكل. التحدي الحقيقي يكمن في بناء مؤسسات تدرك طبيعة الهشاشة وتتعامل معها بوعي، وتبني هياكل حوكمة لا تهدف إلى خلق وهم الضمان، بل إلى تمكين الحكم القيادي عندما تتوقف الأدوات التقليدية عن تقديم الإجابات. وعندما تصل المؤسسات إلى هذه المرحلة، فإنها لا تصبح أقل تعرضًا للمخاطر بالضرورة، لكنها تصبح أكثر قدرة على التعامل معها دون أن تفقد قدرتها على القرار، ودون أن يتحول الخوف من عدم اليقين إلى سبب لتجميد الفعل نفسه.













0 تعليق