عن يمين متجره الصغير يمتد متجر كبير يديره خمسة وافدين من إحدى الدول المجاورة، وفي الجهة المقابلة متجر متوسط يعمل فيه ثلاثة من بلد غير عربي. وبين هؤلاء وأولئك، كانت بقالة عواض تقاوم كشجرة غضّة في وجه الإعصار.
كنت أحرص على الشراء من متجر عواض كلما سنحت الفرصة، لكن الرفوف كثيرًا ما كانت فقيرة والسلع شحيحة. وحين سألته عن السبب، أجابني بمرارة لا تخطئها الأذن ولا العين: «المشكلة في المناديب... لا يبيعون لي لأني سعودي». ويسترسل في شرح معاناته مع مناديب الشركات وجميعهم من غير السعوديين: إنهم يبيعون للوافدين بالآجل مع عروض وتخفيضات واستعادة البضاعة غير المباعة، فيما يتم تجاوز محلي وكأنهم لا يرونه، وعند تواصلي مع الشركات يصر المشرفون على الدفع «كاش» وبسعر أعلى!
كانت عبارة موجعة، وما يزال صداها يتردد في الذاكرة. عبارة تختصر شعورًا قاسيًا بالإقصاء، وتطرح سؤالًا أكبر من حكاية متجر صغير: كيف يمكن للإنسان أن يجد نفسه أضعف المنافسين وهو يقف على أرضه وبين أهله وتحت سماء وطنه؟
حدثت قصة عواض قبل خمسة عشر عامًا، لكنها لم تكن حالة فردية أو استثناءً عابرًا أو نتيجة خللٍ مؤقت. فما تزال قصص كثيرة تروي معاناة مستثمرين وطنيين اصطدموا بعقبات لا علاقة لها بالكفاءة أو الجدية، بل باختلالات تسللت إلى بعض مفاصل التوريد والتوزيع وبيئة المنافسة. فنجاح السوق لا يقاس بسرعة الحصول على التراخيص أو عددها، وإنما بقدرته على توفير منافسة عادلة تحكمها الشفافية والرقابة وتكافؤ الفرص بين جميع المتنافسين.
ومن هنا تبرز أهمية توطين الوظائف الإشرافية والقيادية في قطاع التجزئة وسلاسل الإمداد، بوصفها ضرورة اقتصادية قبل أن تكون مطلبًا وظيفيًا. فصاحب القرار في المشتريات والتوزيع وإدارة الفروع والمستودعات يتحكم في توجيه الفرص التجارية، وبخاصة مع ضعف الرقابة، حيث تنشأ بيئات مغلقة تتغول على حساب المجتمع المحلي.
المستثمر السعودي الصغير لا يطلب امتيازًا خاصًا، بل يبحث عن فرصة عادلة في سوق بلاده؛ فرصة تمكنه من الوقوف على قدم المساواة مع غيره، ليُقاس نجاحه أو إخفاقه بقدرته على العمل والإبداع، لا بهويته. فكم من رفوف بقيت فارغة، وكم من أحلام تأجلت، لأن المنافسة ليست على القدر نفسه من العدالة والإنصاف؟!













0 تعليق