أحمد بن محمد الشريدي
يُشكل الناشؤون القاعدة الأساسية التي تضمن تواصل الأجيال واستدامة النجاحات، وتحقيق الإنجازات والانتصارات، فالاستثمار في هذه الفئة هو استثمار إستراتيجي طويل المدى، لاسيما حين يرتكز على صقل مواهبهم بالتوازي مع التركيز على تحصيلهم العلمي لضمان مستقبلهم الواعد بعد توفيق الله وفضله. ولأن التعليم يمثل الأولوية القصوى لدى معظم الأسر، فإنه يشكل غالباً عائقاً يحول دون ممارسة الأبناء لهواياتهم الرياضية مبكراً.
وقد كان هذا العنصر التكاملي أبرز ما جاء في تفاصيل التصور الذي تشرّفت برفعه قبل عدة أعوام، وتحديداً في عام 1998م، إلى الأمير الراحل فيصل بن فهد -رحمه الله- عبر مقال نُشر في مجلة «المسافر» إبان تولّي رئاسة تحريرها ،وقد تضمّن التقرير مقترحاً ودراسة مصغرة لإنشاء أكاديمية رياضية تحمل اسم «أكاديمية فيصل بن فهد»، كنوع من التكريم والعرفان لهذا الرجل الذي نجح، خلال عقدين ونيف من الزمن، في نشر مظلة من المدن الرياضية الرائعة في مختلف مناطق المملكة، ورسم ومتابعة استراتيجية شاملة للنهوض بالشباب والرياضة السعودية، مما مكن المملكة من التواجد بتميز على الساحة العالمية وتحقيق مكاسب تاريخية لا تقدر بثمن.
وقد حظي هذا المقترح بتفاعل واستجابة سريعة من سموه الكريم؛ حيث تلقيت رداً عبر خطاب رسمي أشار فيه إلى أن المقترح سيكون محل اهتمامه الشخصي، ووجّه حينها بتشكيل لجنة لدراسة المشروع وتنفيذه ، ولكن رحل سمو قبل تحقيق هذا الحلم ، فمات المشروع قبل ولادته. وكان من حق هذا الرجل -رحمه الله- بعد هذا الكم من العطاء والدور الرائد، أن ينال تكرِيماً يتواكب مع فكره وطموحه ورسالته، ليس على صعيد المملكة فحسب، بل على مستوى الرياضة العربية والعالمية بأسرها.
ولعل فكرة «الأكاديمية الرياضية التعليمية» هي الحل الأمثل والعمل الأنسب الذي يرقى لمستوى طموحات الرياضة السعودية ويصب في استدامة منجزاتها.
وتلخص نص المقترح المرفوع لسموه في: إنشاء أكاديمية رياضية تحتضن الناشئين النابغين في مختلف الألعاب الجماعية والفردية، تحت إشراف متخصصين تربويين، ورياضيين، ونفسيين على أعلى مستوى من الكفاءة، لرعاية وتدريب وتغذية وعلاج هذه الفئة. ويتاح للقائمين عليها، بالتنسيق مع المدارس والأندية، اكتشاف المهارات المبكرة لدى الطلاب وضمها للأكاديمية، لتنميتها وصقلها جنباً إلى جنب مع التحصيل الدراسي، لتجاوز معضلة تعارض التعليم مع الهواية التي أدت غالباً إلى عزوف المواهب وإخفاق قطاعات الناشئين.
إن إنشاء أكاديمية رياضية تعليمية تبدأ من المرحلة الابتدائية سيحقق أهدافاً تنموية عديدة؛ في مقدمتها تخريج أجيال مؤهلة رياضياً وعلمياً بشهادات دراسية تضمن مستقبلهم وتنمي فكرهم وثقافتهم، وتساعد على تطبيق الاحتراف الحقيقي منذ الصغر. كما يجنبهم هذا النموذج الإشكالات المستقبلية مع أنديتهم، ويتجاوز مصاعب الانضباط، والسلوك، والثقافة الغذائية، والتأهيل النفسي واللياقي؛ إذ يصعب غرس هذه العوامل عبر دبلومات قصيرة لعدة شهور، أو تطبيقها على شباب تجاوزت أعمارهم الـ18 عاماً، فمن الطبيعي أن «من شبّ على شيء شاب عليه».
ولأهمية الفكرة، وجدتُ من الضروري إعادة طرحها لاحقاً على سمو الأمير سلطان بن فهد، فكان رده بأن «المقترح جيد، والمجال مفتوح أمام القطاع الخاص لتنفيذه». كما أعدت طرحها على سمو الأمير نواف بن فيصل، وجاء رده الكريم: «تلقيت بالتقدير خطابكم المتضمن المقترحات التي أبديتموها لتطوير القطاع الرياضي والشبابي، وهي محل اهتمامي الشخصي وقد تمت إحالتها للجهات المعنية». ورفعت المقترح كذلك إلى معالي رئيس الهيئة العامة للرياضة آنذاك، المستشار تركي آل الشيخ، ووجد تفاعلاً سريعاً حيث أعلن حينها عن توجه لإنشاء أكاديمية رياضية، ولكن مع انتقال معاليه إلى مسؤوليات هيئة الترفيه لم يرَ المشروع النور.
وبلا شك، فإن التفاعل مع وسائل الإعلام وتقدير أطروحاتها يفرز حلولاً صائبة يتعين العمل بها. وقد لمستُ، كغيري من الكتاب والمراقبين، مدى اهتمام وزارة الرياضة بمعالجة إخفاقات منتخباتنا الوطنية للناشئين والشباب والمنتخب الأول ، ويأتي في مقدمة التحديات غياب المواهب و بقاء اللاعب السعودي في الدوري المحلي على دكة الاحتياط، ليصبح بحسب وصف سمو الأمير عبدالله بن مساعد مجرد «كومبارس».
هذا الواقع يستلزم إعادة النظر في خيارات اللاعبين الأجانب، وتوجيه جزء من الميزانيات الضخمة التي تصرف وتهاجر خارج الوطن نحو إنشاء الأكاديميات الرياضية والتركيز على ابن الوطن، فهو الذي يمثل المنتخب في المحافل الدولية. لاسيما وأن المملكة، بمساحتها الشاسعة التي تشبه القارة، تزخر بطاقات شبابية ضخمة تحتاج إلى بيئة حاضنة تصقل مواهبها وتضمن تحصيلها الدراسي عبر مظلة الأكاديميات الرياضية التعليمية.
- وكلنا أمل في أن يتوج هذا التوجه بالرعاية الكريمة ليتحقق هذا الحلم الذي طال انتظاره في عهد سمو وزير الرياضة، الأمير عبدالعزيز بن تركي الفيصل، بما يرقى بمكانة الوطن وما يشهده من إنجازات ضخمة ومشرفة في كافة المجالات، وبما يواكب مستهدفات رؤية المملكة 2030. لتكون الأكاديمية الرياضية رؤية الحاضر للمستقبل، وصرحاً تعليمياً يقف جنباً إلى جنب مع الجامعات والصروح الأكاديمية المنتشرة في مدن ومناطق المملكة؛ لاسيما وأن القطاع الرياضي -في ظل التحول والخصخصة- بات قطاعاً اقتصادياً عريضاً يشهد نمواً متسارعاً.
إن حجم المشروعات الرياضية العملاقة ومظلات الخدمات التي غطت كافة مدن وقرى المملكة، والتي تضاعفت خلال الفترة الماضية أضعافاً كثيرة، تشهد على دعم حكومي سخي فوق كل وصف، ولا يملك أي قلم أو طرح إلا أن يثمن جهود الدولة العظيمة في هذا الجانب، متطلعين إلى أن تكون هذه الأكاديميات ركيزة الاستثمار البشري والرياضي القادم بمشيئة الله.













0 تعليق