د. يحيى جابر
يعتقد البعض أن الإعلام الرياضي مجرد مساحة للترفيه أو وسيلة لنقل نتائج المباريات، بينما في الواقع أنه أكثر أنواع الإعلام تأثيراً في العالم وأكثرها قدرة على الوصول إلى الشباب وصناعة الرأي العام وتشكيل السلوك الجماهيري، فاليوم تتجاوز الرياضة حدود المستطيل الأخضر والصالات الرياضية لتتحول إلى صناعة عالمية ضخمة تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والثقافة والإعلام، وأصبح الإعلام الرياضي القوة المحركة لهذه المنظومة بأكملها.
وتكشف الأرقام حجم هذا النفوذ الهائل؛ إذ أظهر تقرير الاتحاد الدولي لكرة القدم الخاص بكأس العالم 2022، أن البطولة حققت تفاعلاً إعلامياً بلغ 5 مليارات شخص عبر التلفزيون والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، بينما بلغ عدد مشاهدي المباراة النهائية بين الأرجنتين وفرنسا نحو 1,42 مليار مشاهد، وهو أعلى رقم مسجل في تاريخ نهائيات كأس العالم، المصدر: «الاتحاد الدولي لكرة القدم، تقرير الجمهور والتفاعل الإعلامي لكأس العالم قطر 2022».
وتؤكد هذه الأرقام أن الإعلام الرياضي لا يخاطب جمهوراً محدوداً، بل يخاطب مليارات البشر، ولذلك فإن أي رسالة إعلامية رياضية تصل إلى أعداد من الناس تفوق أحياناً ما تصل إليه الرسائل السياسية والثقافية والتعليمية مجتمعة.
ويشير تقرير شركة «يوغوف» العالمية لدراسات الرأي إلى أن 67 في المائة من سكان العالم يتابعون المحتوى الرياضي بانتظام عبر وسائل الإعلام المختلفة، بينما ترتفع النسبة إلى 74 في المائة لدى الفئة العمرية بين 18 و24 عاماً، وهي الفئة الأكثر استهلاكاً للمحتوى الرياضي عالمياً، المصدر: «دراسة المشهد الإعلامي الرياضي العالمي، شركة يوغوف، 2023».
ولا تتوقف أهمية الإعلام الرياضي عند حجم الجمهور فقط، بل تمتد إلى حجم الأموال التي تتحرك بسببه، فقد قدرت مؤسسة ستاندرد آند بورز القيمة العالمية لحقوق البث الرياضي خلال عام 2026 بنحو 67,34 مليار دولار، بزيادة تقارب 9,6 في المائة عن العام السابق، وهو رقم يكشف أن الإعلام الرياضي أصبح العمود الفقري للاقتصاد الرياضي الحديث، المصدر: «مؤسسة ستاندرد آند بورز للأبحاث الإعلامية والرياضية، أبريل 2026».
كما توقعت الدراسات الاقتصادية الخاصة بكأس العالم 2026 ،أن تحقق حقوق البث التلفزيوني وحدها أكثر من أربعة مليارات دولار، فيما تصل إيرادات البطولة الإجمالية إلى نحو 8,9 مليارات دولار، المصدر: «رويترز، يونيو 2026، وتحليلات سوق الإعلام الرياضي العالمية».
فمعد البرامج الرياضية يجب أن يكون مؤهلاً في البحث والتحرير والتحقق من المعلومات وإدارة المحتوى الإعلامي، ويعرف مؤهلات وقدرات الضيوف، فالجمهور ذكي جداً ويعرف علاقة الضيوف بالبرنامج، وفي حال كان الضيف مؤهل من عدمه حتى لو كان الضيف مستهلك لسنوات بالظهور الدائم، يظل الجمهور مدرك من هو الضيف وكيف تم استدعائه.ومقدم البرامج الرياضية يجب أن يمتلك معرفة إعلامية ورياضية عميقة، وقدرة على إدارة الحوار، والالتزام بالحياد المهني، وإجادة اللغة، وفهم أخلاقيات العمل الإعلامي، والحديث أقل من الضيوف، ونبرة الصوت وحتى لغة الجسد.
أما كاتب النص الرياضي فيفترض أن يجمع بين الثقافة الرياضية والقدرة على التحليل وصياغة الرسائل الإعلامية المؤثرة، ومحترف لأن كاتب النص مؤثر جداً في إعداد التقارير المكتوبة والمقروءة وغيرها، وكتابة النص لابد أن تكون علمية إحترافية ومهنية، تحترم عقول الجماهير.
ويتحمل المنتج الرياضي مسؤولية كبرى في ضبط إيقاع البرنامج واختيار الضيوف وصناعة الرسالة البصرية، وكذلك في أختيار المسؤول الأول في إدارة هذا الشأن.
أما المصور الرياضي فهو شريك في صناعة التأثير؛ لأن الصورة قد تصنع انطباعاً جماهيرياً يفوق أحياناً تأثير آلاف الكلمات.
عندما يشاهد الشاب يومياً إعلاميين يتبادلون الاتهامات والشتائم، ويستخدمون لغة الاستفزاز والتقليل من المنافسين فإنه يبدأ في اعتبار هذا السلوك أمراً طبيعياً ومقبولاً، ويتطبع بطباعهم.
أما عندما يشاهد إعلاماً محترفاً يناقش الوقائع بالأرقام والتحليل والمنطق فإنه يكتسب السلوك نفسه.ولهذا يمكن القول إن الإعلام الرياضي السطحي يصنع جمهوراً سطحياً، والإعلام الرياضي المتعصب يصنع جمهوراً متعصباً، بينما الإعلام الرياضي المهني يصنع جمهوراً واعياً.
وتظهر أهمية هذا الأمر الحساس مع التحولات الرقمية الحديثة، فقد كشفت دراسة:«برايس ووترهاوس كوبرز العالمية لعام 2026»، أن 58 في المائة من الشباب بين 18 و24 عاماً أصبحوا يستهلكون المحتوى الرياضي عبر المنصات الاجتماعية والمقاطع القصيرة أكثر من القنوات التقليدية، كما أن 25 في المائة منهم يتابعون محتوى الرياضيين وصناع المحتوى بشكل مباشر، المصدر: «المسح العالمي لصناعة الرياضة، برايس ووترهاوس كوبرز، 2026، لندن».
وهذا يعني أن التأثير الإعلامي لم يعد مقتصراً على القنوات التلفزيونية، بل أصبح يمتد إلى المؤثرين وصناع المحتوى الرقمي، ما يجعل الحاجة إلى المهنية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
وتشير دراسة أكاديمية حديثة تناولت النقاشات الرقمية خلال كأس العالم 2022 ،إلى أن الصحفيين والإعلاميين المحترفين ظلوا الأكثر قدرة على تشكيل النقاش العام والتأثير في اتجاهات الجمهور مقارنة بغير المختصين رغم الارتفاع الكبير في أعداد المؤثرين، المصدر: «دراسة الصحفيين والإعلام والمؤثرين في كأس العالم 2022، مايو 2026».
وهذا يؤكد أن المهنية لا تزال العامل الحاسم في صناعة التأثير الحقيقي، وثقة الجماهير بالمحترفين والمؤهلين، والمتخصصين، إن الإعلام الرياضي الناجح ليس الإعلام الذي يرفع مستوى الضجيج، بل الإعلام الذي يرفع مستوى الفهم.
** **
- دكتوراه صحافة وإعلام، ومحاضر آسيوي في كرة القدم.





0 تعليق