د. سطام بن عبدالله آل سعد
هل تعلم أن أزمة المدرب الوطني ليست في موهبته أو طموحه أو معرفته، بقدر ما هي في ضيق المساحة المتاحة له داخل الملعب؟ ففي دوري يلو، الذي يُفترض أن يكون المعمل الحقيقي لصناعة القيادات الفنية الوطنية، تذهب نسبة كبيرة من مقاعد التدريب إلى أسماء أجنبية؛ فيتحول الحديث عن تطوير المدرب الوطني إلى شعار استهلاكي فقط، لأن المدرب يُصنع داخل الملعب وتحت ضغط المباريات، لا خارجه.
ومن هنا تبدأ الأزمة الحقيقية؛ فكيف نطالب المدرب الوطني بالتطور وهو لا يجد مقعدًا يبدأ منه؟ وكيف نطلب منه منافسة المدرب الأجنبي وهو خارج بيئة المنافسة نفسها؟ وتتضح المفارقة حين تتعامل بعض الأندية معه كخيار مؤقت عند الأزمات، لا كمشروع فني قابل للبناء؛ فيُستدعى عند الحاجة، ويغادر عند أول تعثر، بينما يحصل المدرب الأجنبي غالبًا على الوقت والصلاحيات والدعم الكافي لصناعة تجربته.
ويأتي هذا الملف في توقيت وطني بالغ الأهمية؛ فالمملكة تعيش في ظل رؤية 2030 مرحلة تنموية شاملة أعادت تشكيل قطاعات الدولة، بما فيها القطاع الرياضي. ومن غير المنطقي أن تتقدم الرياضة السعودية في الاستثمار والتنظيم والاستقطاب، بينما يبقى المدرب الوطني خارج منظومة التطوير وفرص النمو المهني.
فإذا كانت الرؤية تقوم على تمكين الإنسان السعودي، ورفع جودة الكفاءات الوطنية، وبناء قطاعات أكثر تنافسية واستدامة، فإن المدرب السعودي يجب أن يكون جزءًا أصيلًا من هذا المشروع، لا عنصرًا غائبًا عن مساره.
والتاريخ الكروي يقدم دلالة واضحة؛ فكل المنتخبات التي توّجت بكأس العالم فعلت ذلك بمدربين من أبنائها، لأن المدرب حين ينمو داخل بيئته، ويفهم شخصية لاعبيه، وثقافة بلده، وضغط جمهوره، يصبح أكثر قدرة على صناعة الفارق.
ومن هنا يبدو التناقض واضحًا: أن نُبعد المدرب السعودي عن التجربة الحقيقية، ثم نطالبه لاحقًا بمنافسة المدربين الكبار.
صحيح أن الأندية تبحث عن النتائج السريعة، وهذا منطق حاضر في كرة القدم، لكن إدارة الدوري بعقلية الموسم الواحد تضر بمشروع الكرة السعودية على المدى الطويل. فالمدرب الأجنبي ليس مشكلة بذاته؛ بعض الأسماء تضيف وترفع الجودة، غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول وجوده إلى قاعدة شبه ثابتة، ويتحول المدرب الوطني إلى استثناء في دوري يُفترض أن يكون بوابة التطوير الأولى.
والمفارقة أن بعض أندية دوري روشن تستبدل مدربيها الأجانب في منتصف الموسم، رغم العقود والإمكانات والصلاحيات التي حصلوا عليها، ثم يبقى المدرب الأجنبي في نظر كثيرين هو الخيار الأكثر أمانًا. فإذا كان الأجنبي يتعثر ويُقال ويُستبدل، فمن باب أولى أن يحصل المدرب الوطني على مساحة عادلة للتجربة والخطأ وبناء الخبرة. فالقضية لا تتعلق برفض الخبرة الأجنبية، وإنما برفض أن يكون الطريق مغلقًا أمام المدرب السعودي داخل مشروع رياضي وطني كبير.
ومن الحلول الممكنة:
1- إعادة تعريف دور دوري يلو بوصفه منصة وطنية لصناعة المدرب السعودي، من خلال إلزام جميع أنديته بأن يكون المدير الفني الأول سعوديًا، باعتباره صاحب القرار الفني وقائد المشروع التدريبي داخل الفريق. ويواكب ذلك توطين تدريجي للوظائف الفنية المساندة، مثل المستشار الفني، ومدرب اللياقة، ومحلل الأداء، وفق مسار تأهيلي يضمن بناء جهاز فني وطني متكامل دون الإضرار بجودة العمل داخل الأندية.
2- تحويل دوري يلو إلى «رخصة قيادة تدريبية وطنية»، بحيث يصبح المرور منه تجربة مهنية أساسية قبل انتقال المدرب السعودي إلى دوري روشن أو المنتخبات بجميع فئاتها، من خلال تقييم تراكمي يقيس قدرته على تطوير اللاعبين، وتحسين النتائج، وبناء الهوية الفنية، واتخاذ القرار أثناء المباريات.
المدرب الوطني يحتاج إلى فرصة فعلية ومقعد قيادة حقيقي. أما أن تمتلئ مقاعد دوري يلو بالمدربين الأجانب، ثم نسأل بعد سنوات: أين المدرب الوطني؟ فذلك سؤال متأخر؛ لأننا لم نفتح له الطريق، ثم استغربنا أنه لم يصل.



0 تعليق