مع الساعات الأولى لصباح عيد الأضحى المبارك، وقبل أن تتعالى أصوات الذبح أو تنشغل البيوت باستقبال الضيوف، تتجه خطوات أبناء القبائل العربية فى جنوب مصر نحو مكان واحد، حيث تسبق المودة الطعام، وتكون "اللمة" هى العنوان الأبرز ليوم العيد، فى مشهد اجتماعى يحمل عبق الماضى وروح الترابط الممتدة عبر الأجيال.
فى قرية أقليت التابعة لمركز كوم أمبو بمحافظة أسوان، لا يبدأ صباح العيد بالطريقة المعتادة، بل يحمل طقساً اجتماعياً خاصاً تتوارثه الأجيال جيلاً بعد جيل، إذ يجتمع أبناء قبيلة السبيعات داخل المضيفة الخاصة بهم لتناول إفطار جماعى من "الشعرية باللبن"، فى واحدة من العادات المتأصلة التى لم تستطع السنوات أن تنتزعها من ذاكرة الجنوب.
مضيفات القبائل.. بيت الجميع
وسط أجواء يغلب عليها الود والتراحم، تتوافد العائلات منذ الصباح الباكر إلى المضيفة، التى تُعد بمثابة بيت كبير مفتوح للجميع، لا يفرق بين كبير وصغير أو غنى وفقير، فالجميع يجلسون حول مائدة واحدة، يتشاركون الطعام والحديث والضحكات، وكأن العيد لا يكتمل إلا بهذه اللحظة التى تُعيد وصل ما قد تفرقه مشاغل الحياة.
وتُحضر "الشعرية باللبن" فى صوانٍ كبيرة تُغطى بأغطية قماشية ملونة بألوان زاهية، فى مشهد يحمل طابعاً تراثياً خاصاً بأهل الجنوب، حيث تتسابق الأسر فى إعداد الأطباق وإرسالها إلى المضيفة، ليصبح الطعام رمزاً للتكافل والمحبة أكثر منه مجرد وجبة إفطار.
عادة تتحدى الزمن
ورغم تغير أنماط الحياة وتسارع وتيرتها، لا تزال هذه العادة صامدة أمام الزمن، محافظة على حضورها فى كل عيد، باعتبارها جزءاً من الهوية الاجتماعية والثقافية لأبناء القبائل العربية فى أسوان.
ويؤكد أبناء السبيعات لـ"اليوم السابع"، أن اجتماع صباح العيد ليس مجرد مناسبة لتناول الطعام، إنما هو تقليد اجتماعى عميق يحمل رسائل إنسانية مهمة، أهمها صلة الرحم، وإنهاء الخلافات، وغرس روح المحبة بين الجميع، خاصة أن كبار العائلات يحرصون على وجود الجميع دون استثناء.
ويقول الأهالى، إن الأجداد كانوا يعتبرون غياب أحد أبناء القبيلة عن "لمة العيد" أمراً غير مألوف، لذلك يحرص الجميع على الحضور مهما كانت الظروف، إيماناً بأن العيد مناسبة لتجديد الروابط الإنسانية ولمّ الشمل.
"الشعرية باللبن".. طبق بطعم الذكريات
ولا تبدو "الشعرية باللبن" مجرد طبق شعبى بسيط فى الجنوب، لكن ترتبط فى وجدان الأهالى بذكريات الطفولة واللمة العائلية وبهجة العيد، حتى أصبحت جزءاً من الطقوس الأساسية التى تعلن بدء يوم العيد.
وقال عوض طاهر، أحد أبناء قرية أقليت، لـ"اليوم السابع"، إن هذه العادة متوارثة بين أبناء القبائل العربية فى القرية عامة، والسبيعات خاصة، موضحاً أن التجمع يكون مرتين خلال عيد الأضحى، الأولى صباحاً لتناول إفطار "الشعرية باللبن"، والثانية عقب ذبح الأضاحى لتناول الغداء الجماعى.
وأضاف، أن الهدف من هذه التجمعات هو تقوية أواصر المحبة والتقارب بين أبناء العائلات، خاصة فى ظل انشغال الكثيرين بالحياة والعمل، مشيراً إلى أن مثل هذه المناسبات تعيد الدفء للعلاقات الاجتماعية، وتمنح الأطفال فرصة للتعرف على أقاربهم وعادات أجدادهم.
موروث اجتماعى يحفظه الكبار وينقله الصغار
وفى الوقت الذى تتغير فيه الكثير من العادات الاجتماعية فى مختلف المحافظات، يتمسك أبناء القبائل فى أسوان بموروثاتهم الشعبية، باعتبارها جزءاً أصيلاً من هويتهم الثقافية، ويحرص كبار السن على نقل هذه التفاصيل الصغيرة إلى الأجيال الجديدة، حتى لا تختفى مع مرور الوقت.
فبين صوانى "الشعرية باللبن"، وأحاديث الكبار، ومرح الأطفال داخل المضيفة، تتجسد صورة مختلفة للعيد فى جنوب مصر، صورة لا تعتمد فقط على المظاهر أو الزيارات السريعة، بل تقوم على المشاركة الحقيقية والشعور بأن الجميع عائلة واحدة، يجمعها تاريخ طويل من العادات التى ما زالت تنبض بالحياة.

أطفال-القبائل_2

إفطار-القبائل

الأطفال

الألفة-والمحبة

تجمع-أبناء-القبيلة

ترحيب-بالضيوف_3

تقديم-صوانى-الإفطار

توافد-على-الإفطار

جانب-من-الإفطار

حمل-الصوانى-على-الرأس

صوانى-الإفطار_1

صينية-الشهرية-باللبن

فرحة-القبائل


















0 تعليق