اقتصاد الانتباه.. حين أصبحت الدقائق عملة - د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي

لم تعد الثروات في العصر الحديث تُقاس فقط بما تملكه الدول من نفط أو مصانع أو احتياطات مالية، بل بما تستطيع السيطرة عليه من انتباه الإنسان. ففي عالم الهواتف الذكية والمنصات الرقمية والبث المباشر، تحولت الدقائق التي يقضيها الإنسان أمام الشاشة إلى مورد اقتصادي ضخم تتنافس عليه الشركات كما كانت تتنافس الدول قديمًا على طرق التجارة والموانئ.

اليوم، لم تعد التطبيقات المجانية مجانية فعلًا، بل يدفع المستخدم الثمن من عمره وتركيزه ووعيه. كل إشعار يصل إلى هاتفك، وكل مقطع قصير يظهر أمامك، وكل بث مباشر يُدفع إليك بطريقة مدروسة؛ إنما هو جزء من صناعة عالمية تُعرف بـ«اقتصاد الانتباه»، حيث تصبح عيون الناس وآذانهم وساعات يومهم سلعة قابلة للاستثمار.

هذا التحول أحدث انقلابًا اقتصاديًا واجتماعيًا عميقًا. فالشركات التقنية الكبرى لا تبيع المنتجات بقدر ما تبيع القدرة على إبقاء المستخدم أطول مدة ممكنة داخل المنصة. وكلما زادت مدة البقاء، ارتفعت الإعلانات، وتعاظمت الأرباح، واتسعت البيانات التي تُجمع عن المستخدمين لتوجيه سلوكهم الشرائي والفكري.

ومن أخطر ما في هذا الاقتصاد أنه لا يعتمد على جودة المحتوى دائمًا، بل على قدرته على إثارة الانفعال السريع. لذلك أصبحت المواد الأكثر انتشارًا غالبًا هي الأكثر صخبًا أو غرابة أو إثارة للجدل، لأن المنصات تعلم أن المشاعر الحادة تُبقي الإنسان متسمّرًا أمام الشاشة وقتًا أطول.

ومع هذا التغير ظهرت تحولات اقتصادية جديدة تستحق التأمل. فوظائف كاملة نشأت بسبب هذا الاقتصاد؛ مثل صنَّاع المحتوى، ومحللي البيانات، وخبراء التسويق الرقمي، وإدارة المؤثّرين. وفي المقابل تراجعت قطاعات إعلامية تقليدية كانت لعقود تتحكم في تشكيل الرأي العام.

لكن القضية لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت تمس جودة الحياة نفسها. فالإفراط في استهلاك المحتوى السريع أوجد حالة من التشتت الذهني وضعف التركيز، حتى أصبحت القراءة الطويلة أو الجلسات الهادئة أمرًا صعبًا لدى كثير من الناس. الإنسان الذي كان يمنح كتابًا ساعة كاملة، بات يمنح الفكرة الواحدة ثواني معدودة قبل أن ينتقل إلى غيرها.

ولعل السؤال الأهم هنا: هل نملك نحن هواتفنا، أم أنها أصبحت تملك جزءًا من وعينا اليومي؟

إن الدول والمؤسسات التعليمية والثقافية مطالبة اليوم بإعادة بناء الوعي الرقمي، لا بمنع التقنية أو محاربتها، بل بتعليم الأجيال كيفية استخدامها دون أن تتحول إلى استنزاف دائم للعقل والوقت. فكما توجد ثقافة مالية تعلم الإنسان كيف يدير أمواله، أصبح من الضروري وجود ثقافة رقمية تعلمه كيف يدير انتباهه.

وفي الجانب الاقتصادي، تبدو الفرصة كبيرة للدول التي تستثمر في صناعة المحتوى الهادف والتقنيات المحلية والمنصات التعليمية والترفيهية ذات الجودة العالية. فالمستقبل لن يكون فقط لمن يملك التقنية، بل لمن يستطيع صناعة محتوى يحترم عقل الإنسان ويحقق في الوقت ذاته قيمة اقتصادية مستدامة.

لقد دخل العالم مرحلة جديدة أصبحت فيها «الدقائق» أثمن من كثير من الموارد التقليدية. ومن ينجح في إدارة انتباه الناس، ينجح في التأثير على قراراتهم الشرائية، وأفكارهم، وحتى أنماط حياتهم.

وفي خضم هذا السباق الرقمي المتسارع، يبقى السؤال الذي يجب أن يطرحه كل إنسان على نفسه:

كم من عمري يستهلكه هذا العالم الرقمي؟ وهل ما أخسره من وقت يساوي فعلًا ما أحصل عليه؟

أخبار ذات صلة

0 تعليق