التأليف الركيك ونهايته الحتمية .. حرق وتجاهل

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
أورد المؤرخون قصصاً حزينة لأدباء ومفكرين في عصور مختلفة، أتلفوا كتبهم بالحرق أو الدفن أوالتغريق، لظروف تعرضوا لها كالإحباط والفقر.

وفي عصرنا الحاضر، يندر إتلاف إنسان كتابا سطحيا قام بتجميعه، تجنباً للخسارة المادية والمعنوية. فبعض الكتب والروايات لم تعد تلفت الانتباه، رغم الورق الصقيل، الطباعة الفاخرة، العناوين البراقة، فمحتواها يعاني من جفاف الإبداع، غياب التخصص، وعدم القدرة على طرح ثمرات معرفية جديدة.

ما جعل رفوف المكتبات تئن من الشكوى بسبب أحمالها الثقيلة، فكان لا بد من تدخل قانون الزمن بطريقة صامتة، تقضي بعدم بقاء تلك الإصدارات في الساحة الثقافية، وعليها أن تدخل مُجبرة دوائر الإهمال والنسيان، ما يعني إتلافها.

ومن واقع ما تقدم نجد أن تأليف الكتب في عصرنا الرقمي، مهمة صعبة للغاية، إلا لمن يراعي المهارة في الفكرة وانتقاء المعلومة، الأمانة العلمية، القيمة الثقافية، وليس صف سطور بخلطة غير متجانسة ولا مقبولة في موضوعات مكررة " ثقافية، تاريخية، اجتماعية، تراثية" .

التأليف مشروع إنساني ثقافي حضاري، له هيبته، واحترامه، ولا يُقدم عليه إلا القليل ممن أفنوا أعمارهم في طلب العلم، والبحث والقراءة المعمقة لأمهات الكتب، واطلاعهم على كثير من المراجع والمصادر، ويملكون " الموهبة، الذكاء، الحكمةط ، ويستشعرون الرسالة الثقافية والعلمية العظيمة التي فرغوا أنفسهم لها.

قد يقول قائل إن العزوف عن القراءة، وهيمنة وسائل التواصل، وقلة المكتبات، وغياب النقاد، أسهمت في عدم الإقبال على شراء الكتب، وهي تبريرات مقبولة، إلا أن الكتاب الجيد، يفرض نفسه في وقت قصير، الأمر الذي يستدعي إعادة طباعته، وهذا دليل واضح على جودته.

وقبل أيام أرسل لي أحد الأصدقاء كتاباً ليس من تأليفه، وأرفقه بقصاصة، يطلب مني أن أوافيه بعد قراءتي بفائدة واحدة خرجت بها، وحين تصفحت الكتاب الذي زادت صفحاته على 400 صفحة من القطع الكبير، أخذتني الدهشة من ضعف محتواه، وركاكة أسلوبه. وتشتت معلوماته بطريقة ساذجة، وحشو غير مبرر لمئات الصور، وتعليقات لمن أسهم في طباعته لا ترتكز على جوانب إبداعية، وإنما مجاملات على حساب المعرفة.

ومن الطبيعي أن ذلك المجلد يمثل حملاً ثقيلاً على من يقتنيه في مكتبته، وقد يُظلم إنسانُ حين يُهدى إليه؛ وتمنيت أن تكاليف طباعته المرتفعة ذهبت لصالح جمعية خيرية أو مشروع إنساني.

الدكتور خالد السعيد، يذكر في كتابه «حرق الكتب» إتلاف أدباء كتبهم بأيديهم لأسباب تخصهم. إذ قال «لعل أشد الأسباب مرارة وأكثرها قسوة أن يُقدم أحدهم على فعل كهذا حزناً على حاله، ويأساً من أهله وناسه، والأمثلة كثيرة في ماضينا وحاضرنا، ويأتي على رأس هؤلاء الفيلسوف والأديب الكبير أبو حيان التوحيدي»، ويقول المؤرخ الخطيب أبوبكر البغدادي، «من صنف فقد جعل عقله على طبق يعرضه للناس».

وأعتقد أن الألم النفسي لشخص أتلف كتابه بنفسه لأسباب شخصية، أقل وقعاً من آخر ألف كتاباً، ورأى عدم الإقبال على شرائه، بل سمع من ينصح بعدم اقتنائه، أوحتى الإشادة به، ويمكن قياس ذلك على كثير من كَتَبَة " منصات التواصل" ، الذين شغلوا أنفسهم وأوقاتهم بما لا يُفيد.


أخبار ذات صلة

0 تعليق