وتنهد الكبش طويلًا، وكأنه يقول بحسرة:
«ربي اجعلني ثورًا بين أبقار سويسرا».
وربما لو سمعه صاحبه، أو من في السوق من البشر، لرددوا الدعاء نفسه:
«ونحن أيضًا يا رب».
وفي الجهة الأخرى من الحارة، كانت تُعقد صبيحة العيد نفسه جلسة مفاوضات عائلية مصغرة بين مجموعة من الإخوة، لمناقشة السؤال المصيري: من سيدفع ثمن الكبش؟
وهل سيتم اقتسام قيمته بالتساوي، أم ستكون «قسمة ضيزى» كعادتنا العربية في توزيع الأعباء؟
خصوصًا أن الكبش، في بعض الحارات، لم يعد مجرد شعيرة دينية «لمن استطاع إليه سبيلًا»، بل شهادة اجتماعية للحفاظ على السمعة المالية للأسرة أمام الجيران.
وبعد أخذ ورد، وارتفاع أسعار الكبش والدولار أكثر من ارتفاع أصوات المواشي هلعًا في ليلة «العشاء الأخير»، نجح المجتمعون أخيرًا في الوصول إلى اتفاق تاريخي يرضي جميع الأطراف.
خصوصًا أن طاولة مفاوضات العائلة لم يشملها بعد حق «الفيتو» السائد عالميًا، بينما بقي الحق الوحيد فيها هو حق الكبش.
لكن، وقبل صياغة بيان الختام ورفع جلسة المفاوضات، تذكّر الجميع فجأة أنهم لا يمتلكون رواتب أصلًا، وهذا حال كثير من الأسر اليمنية منذ سنوات.
ومع ذلك، اقترح أكثرهم حماسًا النزول إلى السوق «لمعاينة الأوضاع ميدانيًا»، ففي النهاية، كما يقول المثل الشعبي: «واللي ما يشتري يتفرج».
وفي اللحظة نفسها تقريبًا، كان صاحب الكبش ينزل به إلى السوق متأثرًا بالتقرير السويسري الذي شاهده صباحًا، ويصرخ بين الناس بكل فخر: «هذا ليس كبشًا عاديًا، بل كبش تربّى في المراعي الأوروبية، وكان له جواز سفر وتأمين صحي».
أما الكبش نفسه، فكان يعيش الدور بكل اندماج، يوزع الابتسامات على من في السوق، وينظر بثقة زائدة إلى بقية أقرانه من الخرفان المرصوصة استعدادًا لعرض ما قبل البيع، وكأنه يقول لهم: «واضح أنكم لم تقابلوا في حياتكم أبقار سويسرا». وربما جاءت تلك الثقة المفرطة لأنه يعلم جيدًا أن فحص الـDNA غير متوفر في اليمن أصلًا.
حتى اقترب منه الإخوة أصحاب «مفاوضات العيد»، وسألوا عن سعره، قبل أن يتذكروا مجددًا أنهم بلا رواتب أصلًا.
ومع ذلك، لم يضيعوا اللحظة، فالتقطوا مع الكبش صورة جماعية للذكرى.
وظل الكبش غارقًا في حلمه الأوروبي، يوزع ابتساماته بثقة، حتى سمع فجأة صوت جزار مقتدر يهتف:«الله أكبر». حينها فقط عاد إلى واقعه في اللحظة الأخيرة، ليتذكر الحقيقة الموجعة: أنه ليس في سويسرا، بل في اليمن. وربما كانت آخر ابتسامة وزعها على من حوله تقول: «ابتسم، أنت في اليمن، وكدا كدا ميت». قبل أن تتحول صورته الأخيرة لاحقًا إلى «استوري» يتوزعها الجيران فيما بينهم يوم العيد.





0 تعليق