محمد بن عبدالله العتيق
حينما يخوض منتخبنا الوطني غمار المنافسات الخارجية، حاملاً راية التوحيد وشعار «السيفين والنخلة»، فإن الواجب والمنطق والعقل يفرضون على الجميع -دون استثناء- أن يقفوا صفاً واحداً خلف هذا الشعار الغالي. إنها الدولة المباركة التي بذلت كل غالٍ ونفيس، وقدمت الغالي والمهج لرفعة هذه الرياضة وتطويرها، والحد الأدنى من الوفاء والوطنية يقتضي مساندة «الأخضر» ككتلة واحدة، أياً كان اللاعب الذي يرتدي هذا القميص؛ فالمعيار الوحيد هو الشعار الذي يزين الصدر، والهدف الأسمى هو الفوز والتمثيل المشرف وتجاوز الصعاب.
لكن، وللأسف الشديد، ومع كل محفل وطني كبير -نعيشه اليوم في غمرة المشاركة العالمية - تطفو على السطح بعض الأصوات النشاز. أصواتٌ عُرفت بأسماء ورسوم معينة، لا همّ لها سوى الانتقاص من لاعبي المنتخب، وتصيد الأخطاء للاعبي أندية محددة. وهنا نضع أيدينا على مكمن الخلل والمصيبة الكبرى: عندما يطغى حب النادي على حب الوطن، وتتحول الألوان المحلية الضيقة إلى غشاوة تعمي الأبصار والبصائر عن المصلحة العليا للبلاد!
وتتجلى هذه المصيبة بأبشع صورها في تلك «الحملات الممنهجة» التي تُشن ضد لاعب بعينه في كل مشاركة وطنية؛ حيث يُستهدف هذا النجم بالهجوم والترصد في كل شاردة وواردة، لا لشيء، إلا لأنه ينتمي للنادي المنافس في الدوري المحلي، أو لأنه ببساطة لا يعجب أهواءهم! إنهم يتصيدون عليه الأخطاء العادية، ويضخمون أي إخفاق بشري طبيعي يقع فيه، ليجعلوا منه كارثة حلت بالمنتخبت، وسبباً أوحداً وراء أي خسارة أو تعادل.
إن هذا السلوك لا يمكن تصنيفه تحت بند النقد الرياضي، بل هو «تصفية حسابات» شخصية ضيقة، ومن السوء والابتذال أن يصدر مثل هذا الطرح الفج من شخص يدعي أنه «إعلامي رياضي». والحقيقة التي يجب أن تُقال بكل مرارة، هي أن الإعلام الرياضي، قد ابتُلي في الآونة الأخيرة بمثل هؤلاء الدخلاء؛ أولئك الذين لا يملكون أي خلفية إعلامية حقيقية، ولا يستندون إلى قدرات أو مؤهلات مهنية تؤهلهم لحمل القلم أو اعتلاء المنصات، بل تصدروا المشهد الرياضي قسراً بصفتهم «مشجعين متعصبين» يرتدون عباءة الإعلام زيفاً وزوراً.
إن ما تقترفه هذه الفئة ليس مجرد انسلاخ من المسؤولية الوطنية، بل هو سقوط في مستنقع الأنانية الرياضية. كيف يسمح إعلامي -يُفترض أنه يحمل فكراً ووعياً- لنفسه بأن يتحول إلى «قنّاص» يترصد حركات وسكنات لاعب يمثل وطنه في محفل عالمي؟ ينتقده إن أجاد، ويشمت به إن تعثر، ويوجه سهام تشكيكه وسخريته نحو كنف المنتخب. هؤلاء أصحاب الأطروحات المفسدة بات وجودهم يشكل خطراً درامياً يهدد اللحمة الوطنية، ويسعى بوعي أو بدون وعي للتفريق بين أبناء البلد الواحد، وزرع الأحقاد في قلوب الجماهير. إنهم لا يريدون للمنتخب رقيّاً، ولا يفرحهم له فوز، لأن قلوبهم امتلأت بالضغينة تجاه أسماء بعينها، فصارت خسارة الوطن عندهم أهون من رؤية لاعب منافس يتألق بشعار الأخضر.
إن الإعلام الرياضي الحقيقي والناجح يرتكز على قيم ثابتة لا تقبل التجزئة: الأمانة، الصدق، الحيادية، والانصاف. وهي لعمري صفات مفقودة تماماً في أطروحات هؤلاء؛ فلا صدق يوجههم، ولا إنصاف يحركهم، ولا أمانة مهنية تردعهم. شجع ناديك كما تحب، وتغنّ بمنجزاته كما تشاء في المنافسات المحلية، فهذا حقك المكفول، ولكن حين ترفع راية التوحيد، يسقط كل صخب وتبطل كل الميول. لا تزور الحقائق، ولا تتجنّ، ولا تعامل من يمثل الوطن معاملة الأعداء، فتشن عليه الحروب الممنهجة وتزلزل استقرار المنتخب في وقت يحتاج فيه اللاعبون إلى ذهن صافٍ ودعم معنوي متكامل يشد من أزرهم في أرض المعركة الكروية.
إذا نظرنا إلى المنتخبات العالمية المشاركة اليوم في كأس العالم، نجد شعوبها وإعلامها يتحدون خلف ألوانهم الوطنية، كالبنيان المرصوص، لا يلتفتون لولاءات الأندية، ولا يخرج من بينهم من يهدم طموح بلاده نكاية في منافس محلي. الجميع هناك يسخر قلمه وصوته لخدمة وطنه، أما لدينا -مع الأسف- فقد أعمت الألوان بصائر هذه الفئة، فقدموا الصغير على الكبير، والهامش على الأصل، والنادي على الوطن.
لذا، فإننا نرفع هذا الصوت بكل صراحة ووضوح، متمنين من المسؤولين في الاتحاد السعودي للإعلام الرياضي، ومن وزارة الإعلام، التدخل بحزم وتأكيد للتصدي لهذه التجاوزات الخطيرة، وتطهير الساحة من هذه الأطروحات المسمومة التي تظهر بقوة مع كل بطولة إقليمية أو قارّية أو عالمية. حان الوقت لوضع حد جاد ومحاسبة كل من تسول له نفسه زعزعة مسيرة المنتخبات الوطنية.
إننا لا نرى منتخبنا بألوان الأندية، بل نراه بلون الوطن وشعار المملكة العربية السعودية، وهو وحده الذي يستحق منا الدعم والالتفاف. أما تلك الأصوات النشاز التي تزلزل استقرار رياضتنا وتزرع الإحباط والفرقة، فنأمل عاجلاً غير آجل ألا نجد لها مكاناً في منابرنا وقنواتنا الفضائية، لأنها أصبحت وجهاً يسيء للإعلام الرياضي السعودي، وخطرها بات يفسد أكثر مما يصلح.






0 تعليق