محمد العبدالوهاب
يقول المثل الشهير: «من السهل جداً التقليل من قيمة القمة عندما تعجز عن تسلقها»
هذه القاعدة النفسية تبدو التفسير الأقرب للتصريح الأخير الذي تفوَّه به أحد قدامى اللاعبين، منتقصاً فيه بطولة كأس العالم، واصفاً المحفل الرياضي الأكبر على كوكب الأرض بأنه تحول إلى دوري مدارس!!
الغريب في الأمر، ليس التصريح بحد ذاته، بل التوقيت والسياق، فالحديث يصدر من لاعب في جيل عجزت منظومته الكروية عن ملامسة عشب المونديال لأكثر من أربعة عقود كاملة!
إن وصف كأس العالم بدوري المدارس ليس مجرد قراءة فنية خاطئة، بل انفصال تام عن الواقع الرياضي الحديث.
فالبطولة التي يتحدث عنها ذلك العتيج، تصنف اليوم كأعلى تجمّع للمواهب الكروية، والدراسات الرياضية، والقدرات البدنية في تاريخ اللعبة، وهي البطولة التي تجمع لاعبي الصف الأول من أندية النخبة العالمية، الذين يصارعون موسمياً في دوري أبطال أوروبا، ودوري مونديال الأندية العالمية، والدوريات الخمسة الكبرى، فكيف لبطولة تديرها عقول تكتيكية فذة، وتُنفذ بخطط عالمية، أن تُختزل في مستوى مدرسي!!
الحقيقة التي يتهرب منها أخونا في الله هي أن كرة القدم الحديثة تطورت بسرعة مذهلة، بينما بقي البعض أسرى لأمجاد ماضية أكل عليها الزمان وشرب ثم تجاوزها.
-- المنتخبات التي كانت تُصنف بالأمس صغيرة، باتت اليوم تُخرج كبار المحترفين بفضل الله ثم بالتخطيط العلمي والوعي الأحترافي والهدف الواضح، وتوفير كافة الإمكانيات المعينة على نجاح الخطط.
هذا التطور رفع من سقف التنافسية بين الدول، وجعل من التصفيات المؤهلة للمونديال معركة طاحنة لا ترحم المتقاعسين.
وهنا تبرز المعضلة الحقيقية المتمثلة في غياب بعض المنتخبات عن نهائيات كأس العالم منذ نصف قرن تقريباً، والذي يعتبر مؤشراً على ضعف تلك المنتخبات، لا على المونديال! وهو شهادة إدانة صارخة على واقع الكرة المحلية لدى من يرى رؤية ذلك القديم!
ذلك الغياب الطويل يعني أن جيله والجيل الذي تلاه، فشلوا في مجاراة قطار التطور العالمي، وبدلاً من المناقشة الهادفة والموضوعية لتشخيص أسباب ذلك الفشل العَقْدي، ومساءلة القائمين على الرياضة هناك عن أسباب العزلة الكروية التي يرزحون تحتها، اختار ذلك الأثري الطريق الأسهل، وهو الهجوم على البطولة نفسها لتبرير العجز !
-- في علم النفس، تُعرف هذه الحالة بسيكولوجية العنب الحامض، حيث يبدأ المرء بتشويه الشيء الذي يعجز عن الوصول إليه ليخفف من شعوره بالمرارة والتقصير.
ختاماً، سيبقى كأس العالم هو القمة الشامخة التي يطمح كل رياضي حقيقي للوصول اليه، وستظل أجواؤه ومستوياته الفنية مقياساً لتطور الأمم كروياً وثقافياً، أما محاولات التقليل منه خلف الشاشات وعبر الصوت الموجوع حسرةً، فلن تغير من الواقع شيئاً، فالمونديال مستمر في إبهار العالم، والقطار يسير بسرعة فائقة، ومَن عجز عن الركوب فيه منذ أربعين عاماً أو أكثر، يجدر به الصمت والتعلم، لا إلقاء الحجارة على قطار لا ينتظر المفشلين المحبطين.
آخر المطاف
قالوا:
هناك من يعيش بيننا، لكنه ملحق بمن قبلنا











0 تعليق