إبراهيم بن يوسف المالك
ليست كل القرارات التي تمر دون نتائج سلبية تُعد قرارات صحيحة، كما أن غياب الأثر لا يعني بالضرورة سلامة المسار. هذه فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها في العمق تمس جوهر الحكم الإنساني، وتكشف أحد أكثر الأوهام شيوعًا في تقييم القرارات، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات.
في كثير من الأحيان، يُقاس القرار بنتيجته المباشرة. فإذا لم يظهر خلل، ولم تقع خسارة، ولم يحدث اضطراب، يُصنّف القرار ضمنيًا على أنه قرار سليم. هذا الربط السريع بين «غياب النتيجة» و«صحة القرار» هو أحد أكثر الاختزالات خطورة، لأنه يُغفل عامل الزمن، ويتجاهل الطبيعة التراكمية للآثار.
الحقيقة أن بعض القرارات لا تُظهر أثرها فورًا، بل تؤجّل نتائجها إلى مرحلة لاحقة، قد تكون بعيدة بما يكفي لتفصل بين الفعل ونتيجته، فتضيع العلاقة بينهما في وعي صاحب القرار. وهنا يتشكل وهم الاستقرار؛ حيث يبدو كل شيء على ما يرام، بينما في الخلفية تتراكم آثار صغيرة، غير مرئية، لكنها مستمرة.
هذا النمط لا يقتصر على القرارات الفردية، بل يظهر بوضوح في البيئات المؤسسية. قرارات تُتخذ بدافع السرعة أو المجاراة أو تقليل الاحتكاك، تمر دون اعتراض، وتُعاد مرارًا، لأن نتائجها لم تكن سلبية بشكل مباشر. ومع الوقت، يتحول هذا النمط إلى ممارسة، ثم إلى ثقافة، حتى يصبح غياب النتيجة هو المعيار الضمني للحكم.
الإشكالية هنا أن غياب النتيجة ليس دليلًا، بل هو حالة مؤقتة. فالنتائج المؤجلة لا تختفي، بل تتراكم. وقد لا تظهر في صورة أزمة واضحة، بل في تراجع تدريجي، أو في فقدان جودة، أو في انحراف بسيط يتسع مع الزمن. وعندما تظهر النتيجة أخيرًا، يصعب تتبعها إلى قرار واحد بعينه، لأنها نتاج سلسلة من القرارات الصغيرة التي بدت جميعها «آمنة» في وقتها.
من زاوية أخرى، يمكن فهم هذه الظاهرة من خلال طبيعة الإنسان في التعامل مع المخاطر. الإنسان بطبيعته يميل إلى ربط القرار بما يشعر به فورًا، وليس بما قد يحدث لاحقًا. فإذا لم يشعر بضرر، يفترض أن القرار لم يكن ضارًا. لكن هذا الافتراض يغفل أن كثيرًا من الأنظمة -سواء في الحياة أو في العمل- لا تعاقب فورًا، بل تمنح هامشًا من التأخير، قد يُساء تفسيره على أنه سماح أو قبول.
وهنا يظهر الفرق بين الحكم السطحي والحكم العميق. الحكم السطحي يكتفي بما يظهر، ويعتمد على المؤشرات المباشرة، بينما الحكم العميق يحاول قراءة ما لا يظهر، ويتعامل مع القرار ضمن سياق زمني ممتد، لا لحظة منفصلة.
الانضباط، في هذا الإطار، لا يعني فقط الالتزام بما هو مطلوب، بل يعني القدرة على اتخاذ قرارات صحيحة حتى في غياب أي رد فعل فوري. هو اختيار المسار الصحيح دون انتظار إشارة تؤكد صحته. وهذا ما يجعله صعبًا؛ لأن الإنسان غالبًا يحتاج إلى تغذية راجعة ليحافظ على سلوكه، بينما الانضباط الحقيقي يعمل في فراغ الإشارات.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تستمر بعض الممارسات الخاطئة لفترات طويلة دون أن يتم تصحيحها. ليس لأنها صحيحة، بل لأنها لم تُحاسب بعد. ومع كل مرة تمر دون نتيجة، يترسخ الاعتقاد بأنها مقبولة، حتى تصبح جزءًا من السلوك الطبيعي، ويصعب لاحقًا تمييزها أو مراجعتها.
في المقابل، القرارات الصحيحة لا تُكافأ دائمًا فورًا، وقد لا يظهر أثرها بشكل واضح في المدى القصير. لكنها تبني مع الوقت استقرارًا حقيقيًا، قائمًا على أساس متين، وليس على غياب مؤقت للمشكلات. وهذا النوع من الاستقرار قد يبدو أقل إثارة، لكنه أكثر دوامًا.
الخلط بين «ما لم يحدث» و«ما لن يحدث» هو جوهر المشكلة. فعدم وقوع الخطأ الآن لا يعني أنه لن يقع لاحقًا، كما أن تأخر النتيجة لا يلغيها. وهذا يتطلب من صانع القرار أن يوسّع أفق تقييمه، وألا يكتفي بما يظهر أمامه، بل يسأل: ماذا قد يتراكم نتيجة هذا القرار؟ وكيف سيبدو هذا المسار بعد فترة من الزمن؟
في النهاية، يمكن القول إن أصعب ما في الحكم ليس اتخاذ القرار في ظل عدم اليقين، بل الاستمرار في اتخاذ القرار الصحيح في ظل غياب النتائج. لأن الإنسان، بطبيعته، يبحث عن الإشارة، بينما بعض القرارات لا تعطي إشارتها إلا بعد فوات الأوان.
ولهذا، فإن معيار الحكم لا ينبغي أن يكون «ماذا حدث؟»، بل «ماذا يمكن أن يحدث لاحقًا؟». وبين هذين السؤالين، يتحدد الفرق بين قرار يمر بسلام مؤقت، وقرار يصمد مع الزمن.












0 تعليق