ولا شك أن كثيرًا من الأسر، من آباء وأمهات، لا يزالون يمارسون هذا السلوك القاسي بحق أطفالهم، غير مدركين أن أول صفعة قد تكون بداية لاختفاء كثير من الصفات الجميلة داخل نفس الطفل، الذي قد يقضي سنوات طويلة من حياته محاولًا استعادتها.
يولد الطفل بريئًا، ويتعامل مع العالم ببراءة فطرية، فهو لا يدرك أن كسر شيء ما خطأ، أو أن العبث بمقتنيات الكبار أمر غير مقبول. إنه يرى كل ما حوله عالمًا جديدًا يسعى لاكتشافه. ومن المفترض أن نتعامل مع هذه المرحلة بحكمة ووعي، حتى تنمو هذه البراءة بصورة صحية، ويتطور الطفل ليصبح إنسانًا قادرًا على اكتشاف موهبته وتنميتها بدعم من والديه خلال مراحل حياته المختلفة. إلا أن بعض الآباء والأمهات قد يقابلون خطأً بسيطًا من طفلهم، ككسر زجاجة في أثناء اللعب، بصفعة قاسية تقتل في داخله الأحلام والمشاعر والحماس، وتطفئ الشعلة التي كان يحملها بداخله.
الأطفال بحاجة إلى اللعب والمرح، واكتشاف كل ما هو جديد، ومن واجبنا أن نعلّمهم الصواب والخطأ بأسلوب تربوي متزن، لا يضر بصحتهم النفسية ولا يهدم شخصياتهم.
ومع مرور السنوات، يكبر ذلك الطفل المعنَّف وهو يحمل داخله شخصية مهزوزة، فاقدا للثقة بالنفس، عاجزا عن المبادرة أو التعبير عن الرأي. تختفي مواهبه خلف خوف دائم، وتصبح الكلمات البسيطة كفيلة بجرحه وإضعافه. والأسوأ من ذلك أن هذا التعنيف لا يتوقف مع تقدمه في العمر، بل قد يزداد قسوة؛ فيتعرض للإهانة عندما يحاول التعبير عن رأيه أو اختيار ما يريده، وقد يجد الضرب حتى وهو نائم نومًا بريئًا بسبب نسيانه إنجاز أمرٍ ما. ومع تكرار هذا التعنيف، يفقد الإنسان إحساسه الطبيعي بوجوده وقيمته، على الرغم من أنه وُجد في هذه الحياة ليعيشها، ويخوض تجاربها المختلفة.
وللأسف، فإن بعض الآباء الذين يمارسون العنف اليوم قد تعرضوا هم أنفسهم للتعنيف في طفولتهم، لكنهم بدلًا من أن يتعلموا من تلك التجربة القاسية، على العكس تزيد قسوتهم، ويخرجونها على أطفالهم الأبرياء الذين أتوا إلى هذه الحياة بسببهم.
لعنة الضرب هذه قد تلازم الإنسان طيلة حياته، وقليل فقط من يتمكن من تجاوزها والتعافي منها. أما الغالبية، فقد يتخبطون بسببها في شتى جوانب حياتهم، بدءًا من تكوين الصداقات والعلاقات الاجتماعية، وصولًا إلى بيئة العمل وتكوين الأسرة. والأشد ألمًا أن كثيرين منهم قد لا يدركون أن هذا الاضطراب والتخبط النفسي ما هو إلا نتيجة لذلك التعنيف الذي تعرضوا له في طفولتهم.
العنف الأسري لا يصنع إنسانًا سويًا، بل يزرع الخوف والانكسار في النفوس، ويترك آثارًا قد تمتد سنوات طويلة.
حماية الأطفال من العنف ليست مسؤولية الأسرة وحدها، بل مسؤولية مجتمع كامل، لأن الطفل الذي ينشأ في بيئة آمنة ومطمئنة هو وحده القادر على بناء مستقبل صحي ومتوازن لنفسه ولمجتمعه.






0 تعليق